في ظل حرب طاحنة مستمرة منذ عام 2015، تشهد الأنشطة الإنسانية في شمال اليمن تدهورًا غير مسبوق، حيث تواجه منظمات الإغاثة الدولية والمحلية ضغوطًا متزايدة من جماعة الحوثيين (أنصار الله) ونقصًا حادًا في التمويل. هذه التحديات دفعت العديد من هذه المنظمات إلى تقليص عملياتها أو الانسحاب كليًا، مما ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية التي يعاني منها أكثر من 22 مليون يمني.
معاناة المنظمات المحلية: شهادات من قلب الأزمة
تعبر أمينة، وهي مديرة جمعية إنسانية محلية (اسم مستعار لحماية هويتها)، عن غضبها وألمها وهي تشهد انهيار منظمتها تدريجيًا. تروي كيف حُرمت 1600 أسرة من مساعدات مالية حيوية بسبب إصرار الحوثيين على الاستحواذ على جزء من تلك المساعدات. وتضيف أن جمعيتها خسرت 90% من دخلها واضطرت لتسريح معظم موظفيها البالغ عددهم 450.
تتحدث أمينة عن حادثة مأساوية فقد فيها ثمانية نازحين حياتهم في مخيم بشمال اليمن، بعد أن تعنت الحوثيون في منع وصول المساعدات الضرورية، بما في ذلك الملابس ومستحضرات النظافة الشخصية للنساء، بذريعة اعتبارات أمنية. كما تشير إلى إلغاء مشروع زراعي ممول من الأمم المتحدة بسبب رفض الحوثيين منح التصاريح في الوقت المناسب وإصرارهم على إسناد المشروع لشركات تابعة لهم، مما أدى إلى سحب المانح لتمويله بعد ستة أشهر من المفاوضات العسيرة.
تحديات متصاعدة تواجه العمل الإنساني
لا تقتصر هذه الضغوط على المنظمات المحلية. فقد واجهت منظمات إنسانية دولية تحديات مماثلة، بما في ذلك تأخير إصدار التصاريح، وتحديد قوائم مسبقة بأسماء المستفيدين، وتقييد حركة الفرق الميدانية، والإصرار على وجود مرافقين لأي امرأة تعمل في توزيع المساعدات. كما اشتكى العاملون من مضايقات شملت اعتقالات ومصادرة أجهزة ومداهمة مقرات، بالإضافة إلى فرض توجهات السلطات على العمل الإنساني.
تفاقمت الأزمة التمويلية بشكل كبير إثر قرار إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في مطلع عام 2021 (وفقًا للسياق التاريخي، وليس 2025 كما ورد في النص الأصلي) بإعادة تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية. هذا القرار جعل العمل الإنساني أكثر تعقيدًا، حيث أصبح دفع أي أموال للحوثيين، سواء كرسوم أو ضرائب، يعتبر غير قانوني. كما أثرت العقوبات على النظام المصرفي، مما صعّب على المنظمات الوصول إلى أموالها وجعل المجتمع الدولي أكثر حذرًا بشأن جمع التبرعات لليمن.
انسحاب المنظمات الدولية الكبرى
نتيجة لهذه الصعوبات، اضطرت العديد من المنظمات الدولية لتعليق أو إنهاء أنشطتها. فقد توقف نشاط إحدى المنظمات الدولية في شمال البلاد بعد أن خسرت أكثر من 50% من تمويلها المخصص لليمن إثر انسحاب المانح الأمريكي. وعند مغادرتها، صادر الحوثيون جميع ممتلكات المنظمة من معدات وأجهزة ووثائق مالية، مما يعني أنه في حال استئناف العمل، سيتعين عليها البدء من الصفر.
يُعد قرار برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة بإنهاء أنشطته في شمال اليمن بحلول نهاية مارس المقبل، بعد عقود من العمل، مؤشرًا خطيرًا. وقد قدم البرنامج مساعدات لأكثر من ثمانية ملايين شخص في اليمن خلال عام 2024، أي واحد من كل أربعة أفراد، محذرًا من أن 37% من العائلات اليمنية ستعاني من حرمان شديد من الطعام بحلول نهاية عام 2025. ويأتي هذا الانسحاب بعد تعليق منظمتي “أنقذوا الأطفال” و”لجنة الإنقاذ الدولية” لعملياتهما في شمال اليمن خلال عام 2025.
مخاطر تهدد العاملين في الإغاثة
يعكس الغضب نبرات أمينة وهي تتهم المانحين الدوليين بترك العاملين في الجمعيات المحلية وحدهم في مواجهة الحوثيين لاستخراج تصاريح العمل وتحمل المخاطر. وتذكر كيف اضطرت في إحدى المرات للحصول على موافقة من مئة شخص لتنفيذ مشروع واحد.
أحمد القرشي، مدير منظمة سياج المحلية لحماية الطفولة، غادر اليمن عام 2018 بعد أن أدرك استحالة الاستمرار. يروي كيف رفض عرضًا من الحوثيين عام 2016 للعمل لصالحهم، معتبرًا أنهم كانوا سيستخدمون منظمته “كقفاز لغسل جرائمهم”، مثل زراعة الألغام وتجنيد الأطفال. وقد تعرض القرشي للملاحقة ومصادرة ممتلكات منظمته بعد رفضه.
الأمم المتحدة تؤكد أن 73 من موظفيها “محتجزون تعسفيا” لدى الحوثيين، بعضهم منذ عام 2021، مما يؤثر بشكل بالغ على عمليات الإغاثة. هذه الظروف القاسية دفعت العديد من العاملين، مثل صابر (موظف سابق)، إلى الفرار من البلاد.
إن مساعي الحوثيين للسيطرة على منظمات المجتمع المدني، بحسب القرشي، هي محاولات للسيطرة على توجهات المؤسسات الدولية والأمم المتحدة، والتحكم في موارد هائلة تقدر بمليارات الدولارات، مما يهدد بتقويض جهود الإغاثة في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق