العراق على مفترق طرق: ضغوط فصائل موالية لإيران تهدد الحياد
تنتشر في شوارع العاصمة العراقية بغداد صور لشخصيات من «محور المقاومة» وشعارات تتحدث عن «النصر»، في مشهد يوحي بأن البلاد في حالة حرب. تتجاور هذه الصور مع أخرى لمقاتلين قضوا في معارك متعددة بسوريا والعراق، وربما لبنان، وينتمي أغلبهم إلى حركتي «كتائب حزب الله» و«النجباء» المواليتين لإيران. وقد أعلنت هاتان الحركتان الشيعيتان البارزتان مؤخراً عن فتح باب التطوع للقتال إلى جانب إيران في حال تعرضها لهجوم أميركي، في ظل حشد واشنطن لقواتها بالمنطقة وترقب الجميع لاحتمال اندلاع حرب.
قلق حكومي من الانجرار للصراع
تثير هذه التحركات قلقاً بالغاً لدى حكومة محمد شياع السوداني و«الإطار التنسيقي» الشيعي، الذي يضم قوى سياسية وميليشيات مسلحة. ويواجه «الإطار» أزمة معقدة مع واشنطن بشأن ترشيح رئيس الحكومة المقبلة. ورغم عدم الإعلان الرسمي، يناقش «الإطار» مخاطر «توريط» العراق في حرب محتملة بين طهران وواشنطن، ويخشى أن تتجه قوى شيعية نحو مسار يتعارض مع رغبته في النأي بالبلاد عن نيران الصراع.
صرح قيادي في الإطار التنسيقي لـ«الحرة»، طالباً عدم الكشف عن اسمه، بأنهم «قلقون بصراحة من احتمالية أن يزج الإخوة بالعراق في الحرب المرتقبة»، في إشارة إلى حركتي الكتائب والنجباء. وأشار القيادي إلى مؤشرات «حقيقية» تفيد بوصول رسائل عبر سياسيين شيعة إلى الفصائل المسلحة، تحذر من تعرض الفصيلين لضربات «قاسية» في حال قررا التدخل لصالح إيران. تتطابق هذه المعلومات مع ما أدلى به مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى لـ«الحرة».
أهداف محتملة وتحذيرات إيرانية
تفيد المعلومات المتوفرة لدى الأجهزة الأمنية العراقية بأن الفصائل الموالية لإيران قد حددت مجموعة من الأهداف، يقع أغلبها في منطقة الخليج. ووفقاً للمسؤول الأمني، تشمل هذه الأهداف قواعد عسكرية أميركية في الكويت، بالإضافة إلى منشآت حيوية في الإمارات والسعودية. وتتوافق هذه التصريحات والمعلومات الاستخباراتية مع ما صرح به مسؤولون إيرانيون، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مقابلة مع قناة «India Today» أن «أي موجة قد تتوسع بسرعة إلى خارج إيران والولايات المتحدة، لتتحول إلى حرب إقليمية مدمرة تطال عدة دول في المنطقة».
جهود الوساطة المتعثرة وموقف الفصائل
دفع قلق «الإطار التنسيقي» بعض قادته إلى محاولة التواصل مع حركتي الكتائب والنجباء لحثهما على الابتعاد عن أي حرب مقبلة. إلا أن هذين الفصيلين، وفقاً لذات القيادي في «الإطار»، «لا يسمعان لأحد. ويُقرران لوحدهما». وتنشط الحركتان الشيعيتان في إبداء استعدادهما الكامل للدخول في أي حرب تشمل إيران، وربط مصيرهما بمصير طهران بشكل مباشر. ويصنف الفصيلان ضمن «نخبة» أذرع الحرس الثوري الإيراني في المنطقة، ويمتلكان تقنيات وأسلحة متطورة «تهدد» مصالح واشنطن وحلفائها في محيط العراق، بما في ذلك صواريخ وطائرات مسيرة وورش لتطوير الأسلحة.
مساعي حكومية لتجنيب العراق الصراع
في المقابل، تسعى حكومة السوداني جاهدة لتجنيب العراق أي حرب، وتعمل على تكرار نجاحها في تفادي نيران الصراع الذي بدأ منذ السابع من أكتوبر 2023. وقد كُلف أحد قيادات الحشد الشعبي بعملية التواصل مع الكتائب والنجباء في محاولة لإقناعهما بالتخلي عن مسعى الدخول في الحرب، لكن دون نتائج ملموسة حتى الآن. ورغم هذه المساعي، يبدو أن الفصيلين الشيعيين ماضيان في سعيهما للانخراط في الحرب المحتملة. فقد أصدرت «الكتائب» بياناً يوم الخميس دعت فيه أتباعها «لخوض حرب استنزاف قد تكون طويلة الأمد» ضد الولايات المتحدة، وحذرت «حكومة إقليم كردستان العراق من مغبة التواطؤ مع القوات الأجنبية».
تداعيات أمنية واستراتيجية
أوضح الخبير الأمني العراقي فاضل أبو رغيف لـ«الحرة» أن «كل فصيل مرتبط عقائدياً بولاية الفقيه سيتم تفعيل دوره تلقائياً في حال حدوث أي هجوم على إيران. سيتعرض الأمن القومي العراقي إلى خطر، وسيُكسر الاستقرار الذي شهده العراق خلال السنوات الماضية في حال شُنت هجمات من الأراضي العراقية». وأضاف أبو رغيف أن «أي ضربات من الأراضي العراقية ستأتي بالخراب على الجهود التي بذلها رئيس الحكومة محمد شياع السوداني لإقناع واشنطن بثني إسرائيل عن توجيه أي ضربات لفصائل العراقية خلال العامين ونصف العام الماضيين».
وفي سياق متصل، نشرت منصات تابعة لفصائل عراقية موالية لإيران بياناً الأربعاء منسوباً لما تسمى «تنسيقية المقاومة العراقية»، حمل نبرة تهديد للولايات المتحدة ومصالحها في العراق، وتحدث عن «احتلال» أميركي للعراق. ووفقاً لتحليل استخباراتي عراقي، فإن البيان «حمل إشارة للمشاركة في الحرب إلى جانب إيران إذا ما تعرضت لضربة أميركية». وترصد الأجهزة الأمنية العراقية، وفقاً للمسؤول الأمني الرفيع، تحركات في جنوب العراق وتتابع معلومات عن دخول صواريخ من إيران خلال الأشهر الماضية قد تُستخدم وتُطلق من الأراضي العراقية.
تحولات في المشهد السياسي للفصائل
لم يتوانَ الفصيلان الشيعيان عن تقديم الدعم لإيران في الأزمات، ويعلنان اليوم عزمهما الدفاع عن إيران في مواجهة ما تُعرف بـ«الحرب الوجودية»، في ظل تحشيد واشنطن لقواها استعداداً لاحتمال شن حرب على إيران. ومن ضمن العقيدة الدفاعية لإيران، فإن حصر أي حرب داخل حدود الجمهورية الإسلامية أمر غير مقبول، لذلك، تسعى دائماً إلى توسعة دائرة الصراع لتشمل العراق، اليمن، لبنان، وسوريا قبل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.
ومع المتغيرات السياسية التي شهدها العراق منذ احتجاجات تشرين 2019، غيرت بعض الجماعات المسلحة وجهتها من السلاح إلى السياسة، وتغير جزء من خطابها الداخلي والخارجي. وانخرطت الفصائل العراقية، باستثناء قلة بينها كتائب حزب الله والنجباء وحركة أنصار الله الأوفياء، في العمل السياسي ولم تعد جزءاً من العمليات العسكرية الإيرانية في المنطقة. ودعت فصائل، بينها «عصائب أهل الحق» المدرجة على قائمة الإرهاب الأميركية منذ 2020، إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتحدثت عن أهمية الدور السياسي وانتهاء دور السلاح، وهو ما يعني تراجع بعض الفصائل عن «إسناد» إيران. ولمّح وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف إلى «خيبة أمل» في هذا الشأن، قائلاً في كلمة بمنتدى الدوحة في ديسمبر 2025: «وكلاؤنا المزعومون يقاتلون من أجل مصالحهم الخاصة، ونحن من دفع الثمن».
مستقبل غامض للعراق
يرى علي طاهر الحمود، المدير التنفيذي لمركز البيان للدراسات والتخطيط ومؤلف كتاب (جمرة الحكم: شيعة العراق ومخاضات بناء الدولة والأمة بعد 2003)، أن «الإطار التنسيقي الشيعي، نجح في إقناع الفصائل بتجنيب العراق المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة في حرب الـ12 يوماً، وما قبل الحرب وما بعدها بدءاً من حرب 7 أكتوبر 2023». وأضاف: «في حال كانت هناك قدرة للإطار في فعل ذلك مجدداً، فإنه سيفعل وسيتحدث إلى الفصائل». ووفقاً للحمود، فإن القضايا العقائدية المتعلقة بالمقاومة لم تعد أولوية بالنسبة لأطراف مسلحة عديدة في العراق، ويظهر ذلك في البيانات الصحافية الخجولة التي تصدر من الفصائل بشأن أوضاع العراق والمنطقة.
في المحصلة، تتجه المؤشرات نحو وضع صعب يحرج الحكومة العراقية والإطار التنسيقي المنشغل بتشكيل الحكومة الجديدة. فالفشل في إقناع حركتي «الكتائب والنجباء» بعدم زج العراق في حرب، قد يعني تحول البلاد إلى ساحة مواجهة عسكرية مدمرة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق