البرنامج النووي الإيراني: تقييم شامل للوضع الراهن ومستقبل التهديدات
عاد ملف البرنامج النووي الإيراني ليحتل صدارة الاهتمامات الدولية، في ظل تصعيد التوترات الإقليمية والدولية. فبينما تحشد الولايات المتحدة قواتها البحرية والجوية في منطقة الشرق الأوسط، ملوحة بإمكانية توجيه ضربة عسكرية لإيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن أنشطتها النووية، تتزايد التساؤلات حول حقيقة ما تبقى من هذا البرنامج ومدى التهديد الذي قد يشكله.
وكان الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، قد حذر في تصريحات سابقة من عواقب وخيمة إذا لم يتم التوصل إلى “اتفاق ذي مغزى”، مؤكداً على موقف بلاده الثابت بأن إيران “لا يمكنها امتلاك سلاح نووي”. ورغم نفي طهران المتكرر سعيها لامتلاك قنبلة نووية وتأكيدها على سلمية برنامجها، إلا أن العديد من الدول والوكالة الدولية للطاقة الذرية، الهيئة الرقابية النووية العالمية، لا تزال غير مقتنعة بهذه التأكيدات.
الوضع الراهن للبرنامج النووي الإيراني
لا يزال الغموض يكتنف الوضع الدقيق للبرنامج النووي الإيراني، خاصة بعد الضربات التي استهدفت مواقع نووية رئيسية خلال مواجهة إقليمية شهدتها المنطقة في يونيو الماضي. وقد شاركت الولايات المتحدة لفترة وجيزة في هذه المواجهة، مستهدفة ثلاثة مواقع نووية إيرانية حيوية: مجمع أصفهان للأبحاث النووية، ومنشأتي نطنز وفوردو المخصصتين لتخصيب اليورانيوم.
عقب الضربات، صرح الرئيس ترامب بأن المنشآت قد “دُمرت تماماً”. وفي المقابل، أشار المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، بعد أسبوع من الهجمات، إلى أن الأضرار كانت “جسيمة” ولكنها ليست “كاملة”، مما يترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية استئناف بعض عمليات التخصيب في غضون أشهر.
مخزون اليورانيوم ومستوى التخصيب
قدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقت الضربات الجوية الإسرائيلية في 13 يونيو، أن إيران كانت تمتلك مخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، يبلغ 440 كيلوغراماً. هذه النسبة تقترب بشكل كبير من نسبة 90% اللازمة لإنتاج الأسلحة النووية. وقد أكد غروسي لوكالة أسوشيتد برس في أكتوبر الماضي أن هذه الكمية، في حال رفع نسبة تخصيبها، ستكون كافية لصنع ما يصل إلى 10 قنابل نووية.
من جانبه، صرح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، لمجلة الإيكونوميست في نوفمبر، بأن تخصيب اليورانيوم “قد توقف الآن”. وأضاف في تصريح لقناة فوكس نيوز الشهر الماضي: “نعم، لقد دمرتم المنشآت والآلات… لكن التكنولوجيا لا يمكن قصفها، وكذلك العزيمة”.
وفي يناير، كشف غروسي لوكالة رويترز أن الوكالة تمكنت من تفتيش 13 موقعاً نووياً إيرانياً لم تتعرض للقصف، مشيراً إلى أن آخر مرة تحققت فيها الوكالة من مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب كانت قبل سبعة أشهر. ويبقى الغموض يحيط بمواقع تخزين اليورانيوم الحالية وحالة منشآت التخصيب المتبقية.

تطورات البرنامج النووي الإيراني: سياق تاريخي
تصر الحكومة الإيرانية على أن برنامجها النووي يخدم أغراضاً مدنية بحتة، مثل الطب والزراعة وإنتاج الطاقة، وتؤكد التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تحظر السعي لامتلاك أسلحة نووية.
ومع ذلك، كشف تحقيق أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية على مدار عقد من الزمن أن إيران نفذت “مجموعة من الأنشطة ذات الصلة بتطوير جهاز متفجر نووي”، المعروف باسم “مشروع عماد”، في الفترة من أواخر الثمانينيات وحتى عام 2003. ورغم أن الوكالة أشارت إلى توقف هذا البرنامج بعد ذلك، إلا أن وكالات استخبارات غربية حددت موقعه في منشأة فوردو عام 2009. وفي تقرير لاحق عام 2015، ذكرت الوكالة أنه “لا توجد لديها مؤشرات موثوقة على وجود أنشطة في إيران ذات صلة بتطوير جهاز متفجر نووي بعد عام 2009”.
الاتفاق النووي والانسحاب الأمريكي
شهد عام 2015 تحولاً مهماً بتوقيع إيران اتفاقاً نووياً مع ست قوى عالمية (خطة العمل الشاملة المشتركة)، وافقت بموجبه طهران على قيود صارمة على أنشطتها النووية، بما في ذلك تحديد نسبة التخصيب عند 3.67% ووقف التخصيب في فوردو تحت رقابة مشددة، مقابل تخفيف العقوبات الدولية.
لكن هذا الاتفاق لم يدم طويلاً، فبعد ثلاث سنوات، في عام 2018، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق بحجة فشله في منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، وأعاد فرض العقوبات الاقتصادية. رداً على ذلك، بدأت إيران في خرق بنود الاتفاق، حيث رفعت نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، ونشرت أجهزة طرد مركزي متطورة، واستأنفت التخصيب في منشأة فوردو.
في 12 يونيو الماضي، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية رسمياً أن إيران انتهكت التزاماتها المتعلقة بعدم الانتشار النووي لأول مرة منذ عقدين، مما مهد الطريق لبدء الغارات الجوية الإسرائيلية في اليوم التالي.
الأنشطة النووية الإيرانية الحالية
تُظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة خلال الأشهر الأخيرة استمرار أعمال البناء والتطوير في موقعي نطنز وأصفهان. ففي أصفهان، يبدو أن جميع مداخل مجمع الأنفاق قد أُغلقت بالتراب، وتم بناء سقف جديد، وفقاً لتحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجراه معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS).
كما تُظهر الصور بناء سقف جديد في موقع نطنز. والأكثر إثارة للقلق هو الكشف عن تحصين مجمع جديد تحت الأرض، يُعرف باسم جبل كولانغ غاز لا أو جبل الفأس، يقع على بعد كيلومترين جنوب منشأة نطنز النووية، ولم يتعرض هذا الموقع لأي هجوم سابق.
الجدل حول قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي
إن إنتاج اليورانيوم المخصب المستخدم في صنع الأسلحة يمثل خطوة أولى نحو بناء سلاح نووي، لكنه لا يعني امتلاك قنبلة جاهزة للاستخدام، إذ تتطلب العملية خطوات تقنية إضافية.
قبل الضربات الأخيرة، أفاد تقييم لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) في مايو الماضي بأن إيران كانت قادرة “في أقل من الأسبوع على الأرجح” على إنتاج كمية كافية من اليورانيوم اللازم لصنع أول جهاز نووي. ومع ذلك، تختلف التقييمات حول ما إذا كانت إيران تسعى بالفعل إلى تحويل اليورانيوم المخصب إلى سلاح.
وأضاف تقييم وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية أن “إيران لا تنتج أسلحة نووية على الأرجح، لكنها قامت بأنشطة في السنوات الأخيرة تعزز من قدرتها على إنتاجها، إذا ما اختارت ذلك”. في المقابل، صرح الجيش الإسرائيلي في يونيو بأنه جمع معلومات استخباراتية تشير إلى “تقدم ملموس” في “جهود النظام الإيراني لإنتاج مكونات أسلحة معدلة لصنع قنبلة نووية”.
الدكتورة باتريشيا لويس، الخبيرة المستقلة في مجال الحد من التسلح، ترى أن “إيران كانت قد طورت بعض القدرات في تصميم الرؤوس الحربية حتى عام 2003، حين اتضح أنها أوقفت البرنامج”. وتضيف: “بعد انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 واستمرار فشل المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد، من المحتمل أن تكون إيران قد قررت استئناف تطوير قدراتها في مجال الرؤوس الحربية”.
لكن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، نفى في 18 فبراير رصد أي مؤشرات على تطوير إيران لأسلحة نووية، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لمس “رغبة” لدى الجانبين الأمريكي والإيراني “للتوصل إلى اتفاق”.

أهمية منع إيران من امتلاك سلاح نووي
لطالما أكد القادة الغربيون على الأهمية القصوى لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقد حذر الرئيس ترامب سابقاً من أنه “إذا حصلت إيران على سلاح نووي، فسوف يُدمّر العالم”، معتبراً أن السلام في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه بوجود سلاح نووي إيراني.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق