صورة تعبر عن الجدل الفكري بين الفلاسفة حول الدين والفطرة في السياق المغربي.
منوعات

جدل الفطرة والدين الطبيعي: مقاربات العروي وطه عبد الرحمن لفلسفة روسو

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في سياق التفاعلات الفكرية العميقة التي يشهدها المشهد الثقافي المغربي، تتواصل سلسلة “تأملات في عقيدة لزمن الشؤم”، لتصل إلى حلقتها السادسة، مسلطة الضوء على نقطة محورية في الجدل الفلسفي المعاصر: التمييز بين مفهومي “دين الفطرة” و”الدين الطبيعي”، وذلك من خلال قراءة نقدية لمقاربات المفكرين البارزين عبد الله العروي وطه عبد الرحمن لفكر الفيلسوف جان جاك روسو.

طه عبد الرحمن: “دين الفطرة” عند روسو ليس بريئاً

يرى الدكتور طه عبد الرحمن أن تناول روسو لمفهوم “دين الفطرة” لا يخلو من أبعاد خفية، بل يحمل “نية مغرضة” تهدف إلى “فصل الدين عن ذاته”، وتمهيد الطريق لـ”الدهرانية”، التي يعتبرها “أخت العلمانية”، وكلها في نظره “بنات للدنيانية”. هذا التصور النقدي هو ما يدفع طه عبد الرحمن لإخضاع أطروحات روسو حول التربية الدينية، كما وردت في نص “عقيدة القسيس سافوا” الذي سبق للعروي ترجمته، لمنهجه النقدي الخاص الذي يسميه “النقد الائتماني”، وهو جزء لا يتجزأ من “الفلسفة الائتمانية” التي يتبناها.

أركان الفلسفة الائتمانية لطه عبد الرحمن

تستند فلسفة طه عبد الرحمن الائتمانية إلى ثلاثة مبادئ أساسية تشكل عماد رؤيته الفكرية:

  • مبدأ الشهادة

    : يقابله في الفلسفة الكلاسيكية “مبدأ الهوية”.

  • مبدأ الأمانة

    : يحل محل “مبدأ عدم التناقض”.

  • مبدأ التزكية

    : يسعى من خلاله إلى تجاوز “مبدأ الثالث المرفوع” المتوارث عن الفلسفة الأرسطية.

هذه المبادئ الثلاثة، بحسب طه، تؤسس لـ”فلسفة إسلامية حقيقية أو حتى فلسفة إسلامية خالصة”، وتتضمن بدورها “فلسفة الشهادة، وفلسفة الأمانة، وفلسفة التزكية”. وينبع هذا الطرح من قناعة راسخة لدى الدكتور طه بأن فلسفته هذه هي التجسيد الحقيقي للفلسفة الإسلامية الخالصة، وأن ما عداها من إسهامات فكرية، سواء لمفكري الإسلام في العصور الوسطى أو للمتفلسفة المعاصرين، لا يمت بصلة للعقيدة والدين الإسلامي.

التمييز الجوهري: “دين الفطرة” مقابل “الدين الطبيعي”

انطلاقاً من هذه الخلفية النظرية، يرفض طه عبد الرحمن وصف ما كتبه روسو في “عقيدة قسيس سافوا” بـ”دين الفطرة”. ففي هذا الوصف، يرى طه “تمويهاً وتدليساً” على القارئ، مؤكداً أن ما يدعو إليه روسو هو في حقيقته “الدين الطبيعي”. ويعتبر هذا الأخير النموذج الأمثل لـ”الفصل الدهراني” بين الدين وذاته، حيث يجعله روسو نقيضاً لـ”الدين المنزل”.

ويوضح طه عبد الرحمن أن الاعتقاد بأن “الدين الطبيعي” يطابق “الصورة الفطرية للدين المنزل” هو خطأ منهجي، وذلك لسببين رئيسيين:

  • الصلة بالوحي

    : “دين الفطرة” يرتبط بالوحي الإلهي، بينما “الدين الطبيعي” عند روسو لا يعترف بالوحي بل يشكك فيه، ويقوم على إنكار الوحي والملائكة والنبوة.

  • مبدأ الخلق

    : مفهوم الفطرة في منظور طه يتجذر في مبدأ الخلق، في حين أن “الدين الطبيعي” عند روسو يثير الشكوك حول هذا المبدأ الأساسي.

إيمان روسو: تقييم منقوص

على الرغم من تثمين طه عبد الرحمن لربط روسو بين “الدين الطبيعي” و”أخلاق الباطن” أو “الأخلاق الجوانية”، مما يجعله أقرب إلى الصورة الفطرية للدين المنزل في هذا الجانب، إلا أنه يعتبر إيمان روسو “إيماناً منقوصاً”. يعود ذلك إلى أن روسو “لا يؤمن بملك مكرم، ولا نبي مرسل، ولا كتاب منزل”. وعليه، لا يمكن وصف تصوره بـ”دين الفطرة” أو اعتباره قريباً من عقيدة الديانة الإسلامية.

خاتمة: حيوية الجدل الفكري المغربي

سواء كان تخصيص طه عبد الرحمن نقده لـ”عقيدة كاهن سافوا” بهدف تفنيد احتفاء عبد الله العروي بهذا النص، أو كان مجرد “صدفة فكرية”، فإن الثابت هو وجود تصورين متناقضين بين المفكرين حول مفهوم “دين الفطرة”. هذا التباين الفكري يثري النقاش ويضفي حيوية على التلقي المغربي للفكر الأنوار، ويؤكد على استمرارية الحوار الفلسفي العميق في الساحة الفكرية المغربية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *