خارطة توضح الحدود البحرية المتنازع عليها بين العراق والكويت في الخليج العربي
السياسة

تصعيد في ملف الحدود البحرية: خرائط عراقية تثير حفيظة الكويت ودول الخليج

حصة
حصة
Pinterest Hidden

عادت الخلافات الحدودية البحرية بين العراق والكويت إلى الواجهة هذا الأسبوع، إثر إعلان الحكومة العراقية عن إيداع خرائط حدودها البحرية لدى الأمم المتحدة. هذه الخطوة أثارت استياءً واسعاً لدى الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى دول عربية أخرى.

الموقف العراقي: تأكيد السيادة والمصالح الاقتصادية

أوضحت وزارة الخارجية العراقية أن إيداع الخرائط، الذي تم بتاريخي 19 يناير و9 فبراير من العام الجاري، يستند إلى قانون البحار لعام 1982. وشمل الإيداع “قوائم بالإحداثيات الجغرافية لنقاط محددة مرفقة بخريطة توضيحية” نُشرت على موقع الأمم المتحدة.

وفي هذا السياق، أكد مسؤول عراقي، فضل عدم الكشف عن هويته، أن القضية تحمل أبعاداً متعددة، أبرزها البعد السيادي المتعلق بحق العراق في ترسيخ سيادته على مياهه الإقليمية والمناطق المرتبطة بها. وأضاف المسؤول لـ”الحرة” أن “الأهم من ذلك هي الأبعاد الاقتصادية التي ترتبط بتأمين مسارات التجارة والوصول إلى الموانئ، لاسيما في ظل الخطط الطموحة التي يمتلكها العراق للعب دور أساسي كممر للتجارة العالمية”.

كما أشار وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، إلى أن الحكومة الكويتية كانت قد أودعت خرائطها البحرية وخطوط الأساس لدى الأمم المتحدة في عام 2014 دون التشاور مع العراق آنذاك، بينما لم تقم الحكومة العراقية بإيداع خرائطها إلا مؤخراً. وأكد حسين أن “الحكومة العراقية تؤمن بحل المشكلات عبر المفاوضات والحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية”.

وشدد المسؤول العراقي على أن بغداد عبرت مراراً عن التزامها بالقرارات الدولية الخاصة بترسيم الحدود، وأن عدم اهتمام الطرف الآخر بالتوصل إلى تفاهمات حول تنفيذ تلك القرارات هو ما دفع العراق إلى هذا التحرك. ويرى أن الخلاف “يبقى قانونياً فنياً يقترن بمبدأين أساسيين: الأول، مبدأ حسن الجوار ومراعاة مصالح الطرفين، وعدم الإضرار بمصالح الشعبين الشقيقين. والثاني، وجود إرادة سياسية وقرار بحسم ملف الحدود بشكل نهائي، وعدم الإبقاء عليه معلقاً ليكون عرضة لتأثير التحولات الداخلية في البلدين أو الإقليمية”.

من جهته، يرى وزير الدفاع العراقي الأسبق، سعدون الدليمي، أن الجانب العراقي يأمل بأن تأخذ الكويت بالاعتبار ما يعتبره العراق “غبنًا بحريًا”، وحاجته الفعلية إلى منفذ بحري عملي يخدم اقتصاده. وأوضح الدليمي لـ”الحرة” أن “الكويت تمتلك ساحلًا على الخليج العربي يقارب 499 كيلومترًا، بينما لا يتجاوز الساحل العراقي نحو 80 كيلومترًا، وهو أصلًا محدود وغير مهيأ بالكامل لحركة السفن التجارية الكبيرة”. ويعتقد الدليمي أن إيداع العراق لخرائط ممراته البحرية لدى الأمم المتحدة هو “إجراء لا يترتب عليه أثر قانوني مباشر” بقدر ما هو “رسالة سياسية وقانونية من الجانب العراقي، مفادها، دعونا نجلس ونتفاهم بروح أخوية، حوار هادئ بين أخوين جارين، وتفاهم عملي يراعي مصالح الطرفين”.

ردود الفعل الخليجية: استنكار وتضامن

أثارت الخطوة العراقية غضب الكويت، التي استدعت القائم بالأعمال العراقي لتسليمه مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، معتبرةً إياها مساساً “غير مبرر” بالسيادة الإقليمية. وتضمنت الخرائط العراقية مناطق ومرتفعات مائية في مياه الخليج، مثل “فشت القيد” و”فشت العيج”، التي تؤكد الكويت أنها مناطق “ثابتة ومستقرة” تاريخياً وقانونياً تحت سيادتها الكاملة، وليست محلاً لأي نزاع حدودي سابق.

لم يقتصر الرفض على الكويت وحدها، بل سارعت جميع دول مجلس التعاون الخليجي لاتخاذ موقف مماثل. أعربت المملكة العربية السعودية عن “قلقها البالغ”، مؤكدة أن الإحداثيات العراقية تتداخل مع مناطق سيادية كويتية وأخرى تابعة للمنطقة المقسومة (السعودية-الكويتية). كما أصدرت كل من الإمارات وقطر وعمان والبحرين بيانات تضامن كاملة مع الكويت، داعية العراق إلى سحب الخرائط والالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 833.

ودعا الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم البديوي، العراق صراحة إلى سحب الخرائط المودعة، محذراً من أن مثل هذه “الادعاءات” قد تقوض جهود التعاون المشترك بين بغداد والمنطقة.

يصف الأكاديمي والكاتب الكويتي عايد المناع الخطوة العراقية بأنها “تصعيدية” وتأتي في إطار “المزايدات السياسية”، معرباً عن أمله في أن تعيد الحكومة العراقية النظر في هذا الإجراء. وأضاف المناع لـ”الحرة”: “أعتقد أن من مصلحة العراق أن يتراجع ويفكر بمصلحته”.

خلفية تاريخية واتفاقية خور عبد الله

تعود الخلافات الحدودية بين البلدين لنحو ثلاثة عقود، وبالتحديد إلى عام 1990، عندما احتلت القوات العراقية الكويت. بعد تحرير الكويت، صدرت قرارات من مجلس الأمن الدولي، أبرزها القرار 833 لسنة 1993 الذي حدد الحدود البرية وبعض الحدود البحرية، تاركاً باقي المناطق البحرية للتسوية الثنائية.

وفي عام 2012، وقع البلدان اتفاقية لتنظيم الملاحة في ممر خور عبد الله المائي الحيوي، الذي يفصل بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتين وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويُعد بوابة العراق الرئيسية للخليج. كانت هذه الاتفاقية أول اتفاق ثنائي بين البلدين لحل الخلافات الحدودية غير المشمولة بقرارات مجلس الأمن.

إلا أن المحكمة الاتحادية في العراق أبطلت هذه الاتفاقية في عام 2023، بناءً على شكوى قدمها نائبان في البرلمان زعما فيها أن المصادقة عليها تمت دون اتباع الإجراءات البرلمانية السليمة.

آفاق الحل: حوار ومصالح مشتركة

يدعو المسؤول العراقي إلى “الانخراط بشكل سريع ومباشر في مفاوضات جدية، على مستويين: ثنائي ومتعدد، وبما يضمن مصالح الأطراف كافة”.

من جانبه، يعتقد المناع أن حل الأزمة الراهنة ينطلق من العودة للعمل باتفاقية 2012. ويقول: “ما تعتبره الكويت مخرجاً عملياً ينهي هذا الملف ويمنع تكراره هو أن تحترم الأطراف المتعاقدة اتفاقها وتواقيعها، وتلتزم بما وقعت عليه… هناك حوارات ومفاوضات ومناقشات وأدلة وخرائط، ويمكن عرض كم كبير منها يثبت أحقية الكويت”.

يبقى ملف الحدود البحرية بين العراق والكويت قضية معقدة تتطلب حواراً بناءً وتفهماً متبادلاً للوصول إلى حلول تخدم مصالح الشعبين الشقيقين واستقرار المنطقة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *