أعلنت كل من الدنمارك وحكومة غرينلاند ذاتية الحكم، يوم الأحد، رفضهما الرسمي لمقترح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إرسال سفينة مستشفى إلى الجزيرة القطبية. وبينما برر ترامب خطوته بوجود “مرضى لا يتلقون الرعاية الكافية”، جاء الرد من نوك وكوبنهاغن حازماً بعبارة “لا شكراً”، معتبرين أن نظام الرعاية الصحية المجاني في الجزيرة يتفوق على نظيره الأمريكي المكلف، مما يعيد فتح ملف السيادة على هذا الإقليم الاستراتيجي.
خلفيات العرض الأمريكي وأبعاده الجيوسياسية
تعود رغبة ترامب في تعزيز النفوذ الأمريكي في غرينلاند إلى سنوات ولايته الأولى، حيث يعتبر ضم الجزيرة ضرورة للأمن القومي الأمريكي لمواجهة التمدد الروسي والصيني المتزايد في منطقة القطب الشمالي. ورغم تراجع حدة التهديدات العسكرية بعد تفاهمات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن ترامب لا يزال يتحين الفرص لفرض أمر واقع يعزز المصالح الأمريكية. جاء هذا المقترح الأخير بعد حادثة إجلاء طبي لأحد أفراد طاقم غواصة أمريكية قبالة سواحل الجزيرة إلى مستشفى “نوك” المحلي. وفي سياق دولي مشابه، تشبه هذه “الدبلوماسية الإنسانية”، التي قد تُفسر على أنها قسرية، نهج واشنطن في مناطق أخرى مثل فنزويلا، حيث يُحاول ترامب استخدام المعونات كذريعة للتدخل ضد أنظمة لا تتوافق مع السياسة الأمريكية، وهو ما تتحسس منه الدنمارك بشدة حفاظاً على سيادتها الوطنية.
المواقف الرسمية والسجال الرقمي
كتب ترامب عبر منصته “تروث سوشال” أن السفينة المستشفى “في طريقها” بالتنسيق مع مبعوثه الخاص جيف لاندري، مدعياً أن سكان الجزيرة يعانون من نقص الرعاية. رداً على ذلك، صرحت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، بأنها “سعيدة بالعيش في بلد يمنح حقوقاً متساوية للجميع بعيداً عن سيطرة شركات التأمين”، في انتقاد مبطن للنظام الصحي في أمريكا. من جانبه، أكد وزير الدفاع الدنماركي ترويلس لوند بولسن، أنه لا علم له بوصول أي سفينة، معتبراً تغريدات ترامب جزءاً من “الواقع الجديد للسياسة الدولية”. ورغم اعتراف السلطات المحلية في غرينلاند بوجود تحديات ديموغرافية وضغوط مالية، إلا أن ممثلة الإقليم في البرلمان الدنماركي، آيا تشيمينتس، شددت على أن التعاون مع كوبنهاغن يبقى الخيار الأمثل لحل المشاكل الداخلية بعيداً عن التدخلات الخارجية.
دلالات السياق والمسار العام للأزمة
يعكس هذا التصادم رغبة ترامب في تقويض سيادة الدنمارك على غرينلاند تدريجياً عبر مداخل “ناعمة” مثل الرعاية الصحية. إن التلويح بقوة أمريكا حتى في الجوانب المدنية يثير قلق حلفاء واشنطن في أوروبا، ويذكر بمواقف ترامب الحادة تجاه القضايا الدولية حيث يعطي الأولوية للمصالح الجيوسياسية فوق العلاقات التقليدية. مستقبلاً، يبدو أن ترامب سيستمر في استخدام منصات التواصل لفرض أجندته، مما قد يؤدي إلى تردي العلاقات مع كوبنهاغن. وفي ظل اعتماد غرينلاند على الكوادر الدنماركية، فإن أي اختراق أمريكي سيواجه بمقاومة سياسية شرسة. المسار القادم سيحدده مدى استعداد الدنمارك لتحمل الضغوط الاقتصادية على الجزيرة لمنع ارتمائها في حضن واشنطن، خصوصاً مع تلويح ترامب الدائم بأن القطب الشمالي هو “ساحة المعركة القادمة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق