بعد إنجاز الجيش اللبناني للمرحلة الأولى من عملية حصر سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، في خطوة اعتبرت بمثابة طي لصفحة حساسة ظلت مفتوحة لسنوات، وتثبيت لحضور الدولة في منطقة شكلت طويلاً اختباراً لسيادتها، يواجه لبنان الآن تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في بسط سيطرة الدولة على السلاح شمال الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي.
مرحلة جديدة وتحديات متصاعدة
لم تعد المسألة مجرد إعادة رسم لخطوط الانتشار على الخريطة، بل تتجاوز ذلك إلى عمق التوازنات السياسية والأمنية الداخلية. يبرز هنا تساؤل جوهري: هل يستطيع الجيش اللبناني تنفيذ هذه المهمة الحساسة دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع حزب الله؟ هذه المساحة بين جنوب الليطاني وشماله تتحول إلى ساحة اختبار سياسي بامتياز، حيث تمثل نقطة تماس بين مشروع دولة تسعى لاحتكار القوة على كامل أراضيها، وحزب يعتبر سلاحه جزءاً لا يتجزأ من معادلة ردع تتجاوز الحدود اللبنانية.
تفاصيل المرحلة الثانية وموقف حزب الله
في السادس عشر من فبراير، لم يكن العرض الذي قدمه قائد الجيش، رودولف هيكل، أمام مجلس الوزراء مجرد إحاطة تقنية، بل كان إعلاناً رسمياً للدخول في المرحلة الثانية، التي توصف بالأشد تعقيداً. يتطلب التنفيذ، حسب ما طُرح، ما لا يقل عن أربعة أشهر، نظراً لحساسية المنطقة وتشابكها الأمني والسياسي.
جاء الرد من حزب الله سريعاً وحاسماً. فقد اعتبر أمينه العام، نعيم قاسم، أن تركيز الحكومة على نزع السلاح يشكل “خطيئة كبرى”، مدعياً أن ذلك يخدم أهداف إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الموقف يعكس رفضاً قاطعاً لإدراج سلاح الحزب شمال الليطاني ضمن أي مسار تنفيذي.
رؤى الخبراء: بين القرار الإيراني والتحضير العسكري
في هذا السياق، يؤكد الكاتب والصحفي مجد بو مجاهد، في تصريح لموقع “الحرة”، أن تسليم الحزب لما تبقى من سلاحه “لا يقرره الحزب بنفسه، بل النظام الإيراني الذي لا يزال يرفض حتى الآن التخلي عن هذا السلاح”.
من جانبه، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن قيادة الجيش بحاجة إلى وقت كافٍ للتحضير للمرحلة المقبلة. ويشير، في حديث للموقع ذاته، إلى أن المهلة قد تمتد إلى ثمانية أشهر بطلب من وزراء حزب الله وحركة أمل، وذلك بانتظار اتضاح المشهد الإقليمي وانعكاساته على الداخل اللبناني.
ويستند حزب الله في موقفه الرافض لتسليم سلاحه إلى القرار 1701، الذي ينص على منطقة خالية من السلاح غير الشرعي بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، متجاهلاً أن القرار نفسه يتضمن قرار مجلس الأمن 1559 القاضي بنزع سلاح جميع الميليشيات من كامل الأراضي اللبنانية. ويربط الحزب أي نقاش حول سلاحه بشروط مسبقة، أبرزها انسحاب إسرائيل من النقاط التي تتمركز فيها جنوب لبنان، ووقف استهدافها لقادته وعناصره، وإطلاق سراح الموقوفين اللبنانيين.
سيناريوهات محتملة ومستقبل غامض
يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة تنطوي على ثلاثة احتمالات رئيسة: نجاح الجيش في تنفيذ الخطة بدعم دولي، أو توتر داخلي قد يتطور إلى احتكاكات بين الجيش والحزب، أو عملية عسكرية إسرائيلية واسعة تستهدف نزع سلاح الحزب بالقوة.
يستبعد بو مجاهد خيار التصادم المباشر بين الدولة اللبنانية وحزب الله، معتبراً أن السلطة “لم تتخذ قراراً بالمواجهة في الأشهر الماضية، ولن تقدم عليه في هذه المرحلة”. ويرجّح أن “يبقى تنفيذ خطة حصر السلاح بطيئاً أو في إطار الانتظار، إلى حين حصول تطورات قد تخفّف من تشدّد الحزب الرافض لحصر ما تبقى من سلاحه، أو تحدّ من نفوذه السياسي المتبقي في الداخل”.
في المقابل، يطرح ملاعب فرضيات قد تسهّل مهمة الجيش اللبناني، منها “انسحاب إسرائيلي متزامن من نقاط محددة، أو اعتماد الحزب مقاربة ترك المهمة للجيش كما حصل جنوب الليطاني، أو انعكاس أي تهدئة إقليمية على الداخل اللبناني”. ويضيف ملاعب أن العامل الانتخابي يحضر كذلك في الحسابات، فإذا جرت الانتخابات وفق القانون الحالي، بما يتيح للحزب تثبيت حضوره النيابي وتعزيز كتلته، قد يميل إلى تمرير المرحلة تكتيكياً، مع تحميله الدولة مسؤولية إعادة الإعمار وتثبيت وقف الأعمال العدائية، بما يخفف عنه كلفة المواجهة المباشرة في هذه المرحلة الدقيقة.
البعد الإقليمي وتأثيره على المشهد اللبناني
لا يمكن فصل المسار اللبناني عن السياق الإقليمي. فقد أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، أن “مشكلة لبنان يجب أن تُحل”، في إشارة تعكس اهتمام واشنطن بملف السلاح غير الشرعي. وفي السياق نفسه، حدّد ترامب إطاراً زمنياً لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيواصل المسار الدبلوماسي مع إيران أو يأمر بضربة عسكرية، مشيراً في كلمة ألقاها خلال أول اجتماع لمجلس السلام الذي شكله في واشنطن الخميس، إلى أنه قد يحسم خياره خلال 10 أيام، وموجهاً تحذيراً لطهران بأن “أموراً سيئة ستحدث” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
أمام هذه المعطيات، يشير ملاعب إلى مفارقة لافتة، قائلاً إن “عنوان المرحلة المعلن هو المفاوضات بين إيران وأميركا التي تُقرأ سياسياً كمدخل إلى السلام، فيما يجري عملياً تحشيد متبادل من جانب الولايات المتحدة وإيران يرفع منسوب احتمالات المواجهة”. وبرأيه، فإن “هذا التناقض بين الخطاب السياسي والمسار الميداني يفرض إيقاعه على الداخل اللبناني ويقيّد خياراته”، مستبعداً أي ليونة من جانب الحزب في هذه المرحلة.
من جهته، يرى بو مجاهد أن أي تعويل من حزب الله أو إيران على صفقة مع الإدارة الأميركية بغية الإبقاء على سلاح حزب الله، “هو تعويل غير موفّق لأن إدارة ترامب جازمة في طلب حصر الدولة اللبنانية للسلاح”، معتبراً أن ملف الحزب لن يكون جزءاً من أي تفاوض أميركي–إيراني.
ويخلص بو مجاهد إلى أن النجاح الجزئي الذي تحقق جنوب الليطاني ينبغي أن يُستكمل بخطوة شاملة تكرّس حصر السلاح في كلّ المناطق اللبنانية، من دون انتظار متغيرات خارجية، رغم صعوبة التحديات السياسية داخلياً وإقليمياً في هذه المرحلة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق