امرأة تنظر من نافذة مبنى متهالك في حي باب التبانة بطرابلس، لبنان، ترمز إلى أزمة السكن والإهمال.
المجتمع

طرابلس اللبنانية: مبان آيلة للسقوط تهدد حياة السكان في ظل الإهمال والفقر

حصة
حصة
Pinterest Hidden

مقدمة: صدمة الانهيار والخوف المستمر

في مدينة طرابلس اللبنانية، تتحول العديد من المباني السكنية إلى قنابل موقوتة، مهددة حياة قاطنيها. هذه المأساة تتجلى بوضوح في قصص عائلات فقدت أحباءها ومنازلها، وباتت تعيش تحت وطأة الخوف من تكرار الكارثة. ليا، تلميذة الصف الخامس، تلتصق بوالدها أمام المستشفى حيث تتلقى والدتها العلاج، ليس فقط خجلاً، بل رعباً مما شهدته قبل أسبوعين.

مأساة عائلة الصيداوي: صرخة في وجه الركام

قبل أسبوعين، شهدت ليا انهيار المبنى الذي تقطنه أمام عينيها. داخل إحدى الشقق، كانت والدتها مع شقيقها عبد الحميد، الملقب بـ “عبودي”، البالغ من العمر ستة عشر عاماً. عبودي انتُشل ميتاً من تحت الأنقاض. تصف ليا وضع المبنى بأنه كان “مخيفاً”، بينما يكشف والدها إبراهيم الصيداوي، المعيل الوحيد لأسرته بدخل يومي لا يتجاوز عشرة دولارات، أن عبودي كان يلاحظ التشققات وينام بجانب ملابسه استعداداً للهروب. لحظة الانهيار، كان إبراهيم في طريقه لتقديم واجب العزاء، ليعود ويجد ابنته تصرخ: “يا بودي يا حبيبي، يا ماما، أنتم تحت الردم”. يصف إبراهيم المشهد قائلاً: “صارت البناية منهارة مثل قطعة بسكويت”.

بعد الكارثة، حصلت العائلة على شقة مؤقتة من “فاعل خير” لمدة ستة أشهر. لكن ليا باتت تخشى الشقق العالية، وترتعب من فكرة انهيارها. يتساءل الوالد بقلق عن مصير عائلته بعد انتهاء هذه المدة، معرباً عن أمله في مغادرة البلاد وتأمين مأوى مستقر.

قصص أخرى من قلب الكارثة: باب التبانة والقبّة

في منطقة باب التبانة، انهار مبنى مكون من ستة طوابق، مودياً بحياة أربعة عشر شخصاً. من بين الضحايا، والد أحمد وشقيقته قمر، اللذان عُثر عليهما يحتضنان بعضهما تحت الركام. نجا أحمد وشقيقه علي بأعجوبة. قبل هذا الحادث، شهدت طرابلس انهياراً آخر في منطقة القبّة في يناير الماضي، بالإضافة إلى انهيارات جزئية متفرقة.

علي، الذي التقيناه في المستشفى، سيتوجه بعد خروجه إلى منزل جده في عكار الشمالية. والدته، التي فقدت منزلها ومصدر دخلها، لا تملك سوى تسجيل اسمها في البلدية، لكنها لم تتلق أي تواصل من المسؤولين حتى الآن.

أسباب الأزمة: إهمال عقود وبنية تحتية متهالكة

طرابلس، ثاني أكبر مدينة في لبنان وذات تاريخ عريق، تعاني من فقر مدقع وإهمال طويل الأمد وغياب للمشاريع التنموية على مدى عقود. تفاقم الوضع بسبب الصراعات السياسية والطائفية المتكررة التي تركت بصماتها على مباني المدينة المتصدعة. العديد من هذه المباني قديم جداً ولم يخضع لأي صيانة، إما بسبب وفاة المالكين وتفرق الورثة، أو لعدم اكتراثهم بمُلك تكاليف صيانته تفوق إيجاراته الضئيلة. يضاف إلى ذلك المخالفات العمرانية والبناء غير المرخص فوق أساسات غير صالحة، وغياب الرقابة، وضعف البنى التحتية لشبكات الصرف الصحي ومياه الأمطار. وقد زاد النشاط الزلزالي الذي ضرب تركيا والمنطقة قبل أعوام من تزعزع هذه الأساسات الهشة.

يوضح رئيس بلدية طرابلس، عبد الحميد كريمة، أن الأبنية المتصدعة تعود لسببين رئيسيين: ضعف البنى التحتية التي تفتقر لشبكات صرف صحي ومياه أمطار مناسبة، وغياب الصيانة والمخالفات.

الاستجابة الرسمية والتحديات القائمة

تُقرّ البلدية الحالية، التي تسلم رئيسها منصبه قبل أقل من عام، بأن طرابلس كانت تعيش “حالة من الفوضى” على مدى ثلاثين عاماً، وأن شكاوى حول المباني المتهالكة تعود إلى عام 2000 دون متابعة جدية. أحصت البلدية 114 مبنى معرضاً للسقوط وطالبت بإخلائها فوراً، متعهدة بتدعيم الأبنية القابلة للإنقاذ وهدم الآيلة للسقوط، واستكمال مسوحات وتقييم البنى التحتية.

لكن رئيس البلدية يشير إلى أن العدد الفعلي للمباني المهددة أكبر بكثير، وقد يصل إلى 600 أو 700 مبنى بحاجة لتدخل فوري. ورغم تعهد الحكومة بتأمين بدل إيواء ومساعدات للعائلات، إلا أن المتضررين الذين التقيناهم في معهد الفندقية، وهو مركز الإيواء المرحلي الوحيد، أكدوا أنهم لم يتلقوا أي مساعدات بعد.

خاتمة: صدمة وهلع ومطالبة بالعدالة

طرابلس لا تزال تحت صدمة ما حدث، وتعيش حالة من الهلع من تكرار الكوارث. في ظل الانشغال بتدبير الأمور الحياتية بالحد الأدنى، لا يتحدث أحد عن المحاسبة. يقول إبراهيم الصيداوي، الذي فقد ابنه: “أعددت ملفاً كاملاً بقضية ابني، أرسلته إلى رب العالمين ليأخذ هو له حقه”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *