خريطة الشرق الأوسط تبرز مناطق التوتر الإقليمي.
السياسة

تصاعد التوتر الإقليمي: هل يدفع حزب الله لبنان إلى مواجهة شاملة دفاعاً عن إيران؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يعود لبنان ليحتل صدارة المشهد كبلد يواجه تحديات مصيرية. فالدولة التي تعاني من أزمات مزمنة تجد نفسها مجدداً على شفا تحولها إلى ساحة صراع يتجاوز حدودها الجغرافية والسياسية. يزداد هذا الاحتمال خطورة مع تصريح الأمين العام لحزب الله، السيد نعيم قاسم، بأن الحزب “ليس على الحياد” في حال تعرضت إيران لهجوم أميركي. تتزامن هذه التصريحات مع مؤشرات ميدانية مكثفة، حيث تتوالى وصول حاملات الطائرات والقطع العسكرية الأميركية إلى الشرق الأوسط، ما يعكس رفعاً لمستوى الجاهزية والاستعداد لسيناريوهات مفتوحة. هذه المعطيات تضع المنطقة في قلب معادلة شديدة الحساسية، تتسم برسائل ردع متصاعدة ونقاط تماس قابلة للاشتعال في أي لحظة.

تساؤلات حول قرار الحرب والقدرة على خوضها

يطفو على السطح اللبناني سؤال أكثر إلحاحاً: أين يقف حزب الله بين القرار والقدرة؟ هل يمتلك الحزب الإرادة والجاهزية لخوض مواجهة بهذا الحجم، خاصة بعد جولته الأخيرة مع إسرائيل وما خلفته من استنزاف عسكري وضغوط سياسية متزايدة بشأن ملف سلاحه؟ والأهم من ذلك، هل يستطيع لبنان، المنهك اقتصادياً واجتماعياً، تحمل تكلفة تحوله مرة أخرى إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية تتجاوز إرادته وحدوده؟

من يضغط على الزناد؟

في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، ومع تكرار تهديدات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بتوجيه ضربة عسكرية لإيران ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية وأذرعها الإقليمية، وتحديده مهلة عشرة أيام لاتخاذ قرار، يعود السؤال الأكثر حساسية إلى الداخل اللبناني: هل يدخل حزب الله البلاد في حرب “إسناد” جديدة؟

يؤكد مراقبون أن قرار حزب الله بالدخول في مواجهة جديدة مع إسرائيل لا يُتخذ في “حارة حريك” بالضاحية الجنوبية لبيروت، بل يُصاغ في طهران. يُنظر إلى الحزب كأحد أبرز الأذرع العسكرية لإيران خارج حدودها، وجزء لا يتجزأ من استراتيجيتها الإقليمية. وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد جورج نادر لموقع “الحرة” هذه الرؤية. كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، في حديث للموقع ذاته، أن الحزب “لم يعد يملك قراره العسكري والسياسي”، معتبراً أنه “إذا ترك القرار له بالانخراط في الحرب أو عدمه، فإنه سيختار حكماً عدم التورط بسبب إدراكه لهول الخسائر التي سيتكبدها، خصوصاً على المستوى البشري لعناصره وقياداته وبيئته”. غير أن الزغبي يضيف أن المسألة تتجاوز الحسابات الداخلية، حيث يرى أن الحزب مرتبط “حتى النخاع” بقرار “المرشد الإيراني”، مستنداً إلى وصف الأمين العام السابق حسن نصر الله للحزب بأنه “جندي في ولاية الفقيه”.

في موازاة ذلك، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أن طهران، خلافاً للوضع خلال “حرب الاثني عشر يوماً” السابقة، تسعى هذه المرة إلى إشراك حزب الله في أي مواجهة مقبلة مع إسرائيل. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين تحذيرات للحزب من أن أي تدخل عسكري سيعرضه لضربة قاسية.

بين الإرادة والقدرة: تقييم واقعي

حتى لو صدر القرار من طهران بدخول الحزب الحرب، يطرح العميد نادر تساؤلاً جوهرياً: هل يمتلك الحزب القدرة الفعلية على التنفيذ في ظل ظروفه الراهنة؟ يجيب نادر بأن حزب الله لا يمتلك اليوم القدرة ذاتها التي كان يتمتع بها قبل أكتوبر 2023. ويشير إلى تراجع كبير في قدراته العسكرية، “بشرياً وتسليحياً”، لافتاً إلى أن “هامش حركته بات أضيق في الداخل بفعل تضييق الجيش اللبناني، فيما يواصل الطيران الإسرائيلي تحليقه المكثف فوق الجنوب، ما يحد من قدرته على المبادرة والمناورة”.

كما يوضح نادر أن “إسرائيل تنفذ بشكل شبه يومي عمليات استهداف تطال عناصر ومسؤولين في الحزب وما تبقى من بنيته العسكرية وترسانته الصاروخية، مستفيدة من تفوق تكنولوجي واستخباراتي واضح، إضافة إلى خروقات أمنية، الأمر الذي يساهم في استنزافه أكثر”. ويتفق الزغبي مع هذا التقييم، مشيراً إلى أن الحزب لم يعد يملك قدرته القتالية التي بلغت أوجها في بدايات “حرب الإسناد” التي شنها على إسرائيل “بأمر مباشر من المرشد الإيراني علي خامنئي”. لذلك، فإن انخراطه في حرب جديدة دفاعاً عن إيران سيكون، كما يقول، “أقل تأثيراً وفاعلية من قبل”.

رسائل ردع وتحذيرات إقليمية

ذكرت وكالة “رويترز” أن كبار مسؤولي الأمن القومي في الولايات المتحدة أبلغوا ترامب “بجاهزية الجيش لتنفيذ ضربات محتملة ضد إيران، اعتباراً من السبت، إلا أن الجدول الزمني لأي تحرك عسكري قد يمتد إلى ما بعد نهاية هذا الأسبوع، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة لشبكة سي بي إس نيوز”. في المقابل، يرفع الجيش الإسرائيلي مستوى جهوزيته تحسباً لسيناريو محتمل يتمثل في توجيه ضربة أميركية لإيران، وما قد يستتبعها من رد انتقامي إيراني يستهدف إسرائيل مباشرة أو عبر ساحات أخرى، بينها لبنان. وفي هذا الإطار، أكد قائد القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، اللواء رافي ميلو، في تصريحات بثتها القناة 12 الإسرائيلية في يناير الماضي، أن الجيش في حالة استنفار قصوى تحسباً لأي تصعيد، لكنه أضاف: “لا نعرف إلى أين يتجه هذا الأمر”.

يرى الزغبي أن أي تورط لحزب الله في حرب جديدة سيقابل برد إسرائيلي “أقسى وأشد إيلاماً من السابق وسيكون نهاية مأساوية للحزب وخسارة أليمة للبنان”، معتبراً أن إسرائيل قد تنظر إلى أي مواجهة مقبلة باعتبارها الفرصة الأخيرة للتخلص من خطر “الذراع الإيرانية” على حدودها الشمالية. ويستحضر الزغبي تجربتي حرب يوليو 2006 و”حرب الإسناد” 2023-2024، مشيراً إلى أن إسرائيل خاضت في المرتين “حربين ناقصتين، حققت فيهما ما يمكن اعتباره نصف انتصار، فيما بقيت الأمور معلقة، وكأن هناك نوعاً من ربط نزاع أبقى الحزب مالكاً لقوة عسكرية تزيد أو تنقص”. أما اليوم فتسعى إسرائيل، كما يؤكد، “لحسم الوضع نهائياً خصوصاً إذا اندلعت الحرب ضد إيران”. بدوره، يشدد نادر على أن “أي تحرك عسكري من جانب الحزب سيقابل برد إسرائيلي قاسٍ”، ما يعني أن كلفة الانخراط في مواجهة جديدة ستكون أعلى بكثير من أي مرحلة سابقة.

لبنان: كلفة الانفجار المحتمل

يعيش لبنان انقساماً حاداً حيال احتمال الانخراط العسكري لحزب الله في مواجهة إقليمية. فبين من يرى في أي تصعيد دفاعاً عن موقع استراتيجي ضمن محور إقليمي واسع، ومن يعتبر أن ربط البلاد بصراع بين إيران والولايات المتحدة يحملها تبعات حرب لا قرار لها فيها ولا قدرة على تحمل نتائجها، يتعمق الشرخ الداخلي في لحظة شديدة الهشاشة. في هذا السياق، أثارت التصريحات الأخيرة الصادرة عن حزب الله، بشأن عدم الوقوف على الحياد، موجة انتقادات سياسية، تمحورت حول ضرورة تحييد لبنان ومنع إدخاله في حرب جديدة.

يرى نادر أن أي انخراط عسكري للحزب “سيؤدي إلى خسارة ما تبقى من غطاء شعبي أو سياسي له، في ظل انقسام داخلي عميق وتراجع المزاج العام حتى داخل بيئته التي كانت مؤيدة سابقاً للمغامرات العسكرية”. ويحذر نادر من أن البلاد، في ظل أزماتها المالية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة، غير قادرة على تحمل كلفة صراع إضافي، معتبراً أن أي تصعيد سيضع لبنان أمام مخاطر وجودية تتجاوز البعد العسكري.

من جهته، يشير الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة إلى أن عام 2026 “ليس عاماً عادياً في تاريخ لبنان”، لافتاً إلى تقرير صادر عن البنك الدولي يؤكد أن البلاد لا تزال تعاني تداعيات حرب 2024 التي استنزفت خزينة الدولة بنحو 8.5 مليار دولار، وأدت إلى خسارة أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل الحديث عن الصمود أقرب إلى الخيال الاقتصادي”. وعن القطاعات الأكثر تضرراً يوضح عجاقة، في حديث لموقع “الحرة”، أن السياحة والزراعة، وهما من أعمدة الاقتصاد اللبناني، “تلقتا ضربات قاصمة، إذ تضررت آلاف الهكتارات الزراعية، فيما يكافح القطاع السياحي للبقاء وسط توترات مستمرة”. أما على صعيد البنية التحتية، “فهي على وشك الانهيار. محطات توليد الكهرباء شبه متوقفة، والمستشفيات تعاني من نقص حاد في الكوادر والمعدات. وفي حال اندلاع حرب شاملة، لن يكون تحدي النزوح مجرد كابوس لوجستي، بل قد يتحول إلى كارثة إنسانية”. وعلى الأرض، بدأت ملامح القلق الشعبي بالظهور، كما يقول عجاقة، عبر “نزوح استباقي وذعر يومي”، تزامناً مع ارتفاع أسعار المحروقات وإقرار ضرائب جديدة لدعم القطاع العام.

في المقابل، يقدم الزغبي قراءة مغايرة، معتبراً أن تدخل الحزب في الحرب يحمل “خسارة وربحاً في آن. الخسارة تتمثل في الدمار الواسع الذي سيلحق بالبشر والحجر، أما الربح، فيتمثل بتخلص لبنان من سطوة سلاح الحزب الذي أنهكه على مدى ثلاثة عقود على الأقل”.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *