إقبال متزايد وتحديات تنظيمية
تشهد المساجد المغربية، مع حلول شهر رمضان المبارك، إقبالاً منقطع النظير، حيث تتجه الأسر نحو بيوت الله لأداء صلاة التراويح في أجواء يطبعها الخشوع والوقار. إلا أن هذا المشهد الإيماني البهيج لا يخلو من تحديات تنظيمية تفرض نفسها بقوة، وتتعلق أساساً بحضور الأطفال الصغار. ينقسم هؤلاء الأطفال إلى فئتين: أولئك الذين يصطحبهم أولياؤهم، و”الأطفال غير المرفوقين” الذين يتخذون من محيط المسجد وباحاته مكاناً للعب والجري. يثير هذا الوضع نقاشاً متكرراً بين من يعتبر المسجد مدرسة للتربية ومن يراه ملاذاً للسكينة والهدوء الذي لا يقبل التشويش.
توازن دقيق: المسجد كمدرسة وملاذ
إن مقاربة موضوع الأطفال في المساجد تتطلب نوعاً من الاعتدال والواقعية. فالعديد من الأمهات يجدن أنفسهن في حيرة بين الرغبة في نيل أجر صلاة الجماعة وبين غياب البدائل المناسبة لرعاية أطفالهن في المنزل. هنا، تبرز الحاجة إلى وعي مجتمعي يتجاوز لغة “الزجر” أو “الطرد”، نحو لغة التنظيم والمسؤولية المشتركة. لطالما كان المسجد في الوجدان المغربي مكاناً جامعاً، لكن الحفاظ على “حرمة الصلاة” يقتضي من الأمهات والآباء تقديراً دقيقاً لمدى قدرة أطفالهم على الالتزام بالهدوء، وتجنب اصطحاب الأطفال في سن مبكرة جداً ممن لا يدركون بعد آداب المسجد، وذلك رحمةً بالمصلين وصوناً لخشوعهم.
ظاهرة الأطفال غير المرفوقين: دعوة للتعاون المجتمعي
من جانب آخر، تبرز ظاهرة الأطفال “غير المرفوقين” الذين يتوافدون على المساجد بمفردهم، وهو ما يحول أحياناً باحات بيوت الله إلى ساحات للعب والمطاردات والكلام الصاخب، مما يشكل عبئاً حقيقياً على القائمين على المساجد وعلى المصلين على حد سواء. تعكس هذه الظاهرة نوعاً من التخلي عن الدور الرقابي للأسرة خلال هذه الساعات الروحانية، مما يستوجب تظافر الجهود بين لجان المساجد وفعاليات المجتمع المدني لتأطير هؤلاء اليافعين، وتلقينهم أن احترام بيوت الله هو جزء لا يتجزأ من التربية الدينية والوطنية التي تفتخر بها المملكة.
حلول عملية لتعزيز التجربة الروحية
إن الحلول لهذه المعضلة الموسمية ليست مستحيلة، بل تكمن في تبني “حلول وسطى” ترضي جميع الأطراف. فمن الممكن لبعض المساجد التي تتوفر على فضاءات واسعة أن تخصص أركاناً بعيدة عن الصفوف الأولى للأمهات مع أطفالهن، مع ضرورة الالتزام بالهدوء التام. كما يمكن استلهام تجارب ناجحة من بعض المدن المغربية حيث تقوم متطوعات بتنظيم ورشات بسيطة للأطفال في مرافق تابعة للمسجد خلال وقت الصلاة، لضمان هدوء القاعة الرئيسية.
الرفق والصبر: مفتاح التوفيق
في نهاية المطاف، يبقى الصبر المتبادل والرفق في التوجيه هما المفتاح؛ فلا ينبغي أن نكون سبباً في تنفير الناشئة من بيوت الله، وفي الوقت نفسه لا يجب أن نسمح بتحويل أوقات الخشوع إلى لحظات من الإزعاج والضجيج. إن تحقيق التوازن بين استقبال الأطفال في بيوت الله والحفاظ على قدسية الصلاة هو مسؤولية جماعية تتطلب تفهماً وتعاوناً من الجميع.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا







اترك التعليق