واجه مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» المالكة لمنصات عملاقة مثل إنستغرام وفيسبوك وواتساب، استجواباً حاداً في محكمة لوس أنجلوس يوم الأربعاء، وذلك في إطار محاكمة تاريخية تتهم شركته باستهداف المستخدمين اليافعين والتسبب في إدمانهم لوسائل التواصل الاجتماعي. وقد تم خلال الجلسة مواجهته بالعديد من الوثائق الداخلية للشركة.
وأكد زوكربيرغ أن المحامين «يحرفون» المراسلات الداخلية التي قُدمت كأدلة، مشدداً على أن هذه المحاكمة هي الأولى التي يمثل فيها أمام هيئة محلفين، بعد سنوات من الانتقادات المتزايدة الموجهة لشركته.
محاكمة تاريخية تضع «ميتا» تحت المجهر
تحظى هذه المحاكمة باهتمام واسع نظراً لتأثيراتها المحتملة على آلاف الدعاوى القضائية المماثلة المرفوعة ضد شركات التواصل الاجتماعي. وقد شملت الدعوى القضائية في الأصل أيضاً شركة يوتيوب التابعة لغوغل، بينما توصلت شركتا تيك توك وسناب شات إلى تسوية خارج المحكمة قبل بدء الإجراءات، لم يتم الكشف عن تفاصيلها.
لطالما أكدت «ميتا» التزامها بحماية المستخدمين الصغار ومنع من تقل أعمارهم عن 13 عاماً من استخدام منصاتها. إلا أن المحامي مارك لانيير، ممثل المدعية الرئيسية في القضية (المعروفة باسمها المختصر «K.G.M»)، قدم رسالة بريد إلكتروني داخلية تثير مخاوف من أن حدود السن في الشركة «غير مطبقة». وقد أشار المحامي إلى رسالة أرسلها نيك كليغ، الرئيس السابق للشؤون العالمية في «ميتا»، تفيد بأن عدم تطبيق هذه الحدود يجعل من «الصعب على الشركة الادعاء بأنها تبذل قصارى جهدها».
دراسات حول إدمان المراهقين: جدل حول التفسير
استجوب لانيير زوكربيرغ بشأن تقرير بحثي خارجي يعود لعام 2019، أُجري لصالح إنستغرام، وخلص إلى أن المراهقين الذين يستخدمون المنصة شعروا «بالإدمان» عليها، بغض النظر عن طبيعة مشاعرهم تجاه استخدامها. وأشار التقرير إلى أن المستخدمين المراهقين لديهم «سردية مرتبطة بالإدمان حين يتعلق الأمر باستخدامهم لإنستغرام»، وأن المنصة «يمكن أن تجعلهم يشعرون بالرضا، ويمكن أن تجعلهم يشعرون بالسوء، ويتمنون لو أنهم يستطيعون قضاء وقت أقل في الاهتمام به».
رد زوكربيرغ بأن البحث لم يُجرَ داخل شركة «ميتا». وفي المقابل، سلط بول شميدت، محامي «ميتا»، الضوء على الجوانب «الإيجابية» التي ذكرها التقرير نفسه، واصفاً إياه بأنه جزء من جهود «ميتا» المستمرة لإجراء البحوث وتحسين منصاتها.
استراتيجيات جذب الشباب: أهداف الشركة ومبرراتها
كشف عرض تقديمي آخر من عام 2018 أن الشركة ناقشت مسألة الإبقاء على المراهقين على المنصة، على الرغم من سياستها التي تمنع من تقل أعمارهم عن 13 عاماً. وعبر زوكربيرغ عن أسفه لعدم إحراز تقدم أسرع في تحديد المستخدمين دون هذا السن، لكنه أكد أن الشركة وصلت الآن إلى «المكان الصحيح».
اتهم زوكربيرغ لانيير بإخراج الوثائق من سياقها، موضحاً أن الشركة أجرت «مناقشات مختلفة» حول تطوير نسخة من منتجاتها يمكن للأطفال دون سن 13 عاماً استخدامها «بطريقة منظمة»، مستشهداً بخدمة «ماسنجر كيدز» التي يستخدمها مع أطفاله الثلاثة. وأضاف مخاطباً لانيير: «أنت تسيء فهم ما أقوله. لست متفاجئاً من أن الناس كانوا يتباحثون هذا الأمر داخلياً».
كما واجه لانيير زوكربيرغ برسائل بريد إلكتروني تعود لعام 2015، أظهرت أن أهداف زوكربيرغ لذلك العام تضمنت «زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدمون بنسبة 12 في المئة» و«انعكاس الاتجاه العام لمؤشرات المراهقين على المنصة». وأشارت رسالة منفصلة من أحد المديرين التنفيذيين عام 2017 إلى أن «مارك قرر أن الأولوية القصوى للشركة هي المراهقين». وأقر زوكربيرغ بأنه «في مرحلة سابقة» أعطى المديرين التنفيذيين أهدافاً لزيادة وقت الاستخدام، لكنه أصر على أن هذه لم تعد الطريقة التي تعمل بها الشركة حالياً.
صرخات الأهالي في قاعة المحكمة وخارجها
حضرت المدعية الرئيسية «K.G.M.»، التي بدأت استخدام إنستغرام ويوتيوب منذ طفولتها، جلسات المحكمة، وجلست مباشرة مقابل زوكربيرغ. كما حضر عدد من الآباء والأمهات المفجوعين، الذين يقولون إنهم فقدوا أبناءهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي، لمتابعة الإجراءات، بينما تجمع عدد أكبر منهم خارج مبنى المحكمة لإظهار دعمهم.
لوري شوت، التي ارتدت شارة تحمل صورة ابنتها أنالي شوت التي أنهت حياتها في سن الثامنة عشرة، قالت خارج المحكمة: «هذه المنصات قادرة على التغيير. لن يستغرق تعديل المحتوى الخوارزمي وقتاً طويلاً حتى لا يعود الأطفال ينهون حياتهم. هل هذا صعب إلى هذه الدرجة، يا سيد زوكربيرغ؟»
تداعيات واسعة ودعاوى قضائية متصاعدة
من المتوقع أن تستمر المحاكمة لعدة أسابيع، وستشمل شهادات من موظفين سابقين في «ميتا». وعلى الرغم من أنه كان من المتوقع أن يمثل نيل موهان، رئيس منصة يوتيوب، أمام المحكمة، إلا أنه لم يعد مطلوباً للإدلاء بشهادته.
في جلسة استجواب سابقة، شكك آدم موسيري، رئيس إنستغرام، في فكرة إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن استخدام إنستغرام لمدة 16 ساعة يومياً لا يدل بالضرورة على الإدمان. ورد زوكربيرغ في شهادته بأن «الناس يميلون إلى استخدام الأشياء ذات القيمة أكثر»، ليرد لانيير بأن الأشخاص المدمنين على شيء ما يميلون أيضاً إلى زيادة استخدامه، وهو ما علق عليه زوكربيرغ بقوله: «لا أعرف ماذا أقول حيال ذلك. أعتقد أن هذا قد يكون صحيحاً، لكنني لا أعرف ما إذا كان ينطبق هنا».
تُعد هذه القضية جزءاً من آلاف الدعاوى القضائية المماثلة التي رفعتها عائلات ومدعون عامون في الولايات والدوائر التعليمية عبر الولايات المتحدة، متهمين «ميتا» ومنصات أخرى مثل تيك توك وسناب شات ويوتيوب بالعمل بطريقة إدمانية ألحقت الضرر بالعديد من الأطفال. وفي إحدى هذه الحالات، يضغط 29 مدعياً عاماً في الولايات على محكمة فيدرالية في كاليفورنيا للمطالبة بتغييرات فورية، منها إزالة جميع الحسابات المعروفة بأنها تعود لمستخدمين تقل أعمارهم عن 13 عاماً.
يتجه عدد متزايد من الدول نحو تقييد استخدام الشباب لوسائل التواصل الاجتماعي، حيث فرضت أستراليا حظراً على حسابات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، وتدرس المملكة المتحدة والدنمارك وفرنسا وإسبانيا اتخاذ تدابير مماثلة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق