يجد المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، نفسه أمام أزمة هي الأشد خطورة منذ توليه سدة الحكم قبل 36 عاماً. تتزامن هذه الأزمة مع حشد عسكري أميركي غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط، وتصاعد التهديدات بشن ضربة عسكرية ضد بلاده ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل حول برنامجها النووي، ترسانتها الصاروخية الباليستية، ونفوذ ميليشياتها الإقليمية. داخلياً، تتفاقم الضغوط على خامنئي جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية، التي أشعلت شرارة احتجاجات شعبية واسعة النطاق خلال الشهرين الماضيين، قوبلت بقمع عنيف من قبل السلطات الإيرانية، مما أسفر عن سقوط آلاف الضحايا.
في ظل هذا المشهد الإقليمي المتوتر، حيث يلوح خطر نشوب حرب في الأفق، سيتوقف مصير المنطقة على إخلاص خامنئي (86 عاماً) الراسخ لمبادئ “الجمهورية الإسلامية”، وعدائه الشديد للغرب، وسجله الحافل بالدهاء في إطالة أمد المفاوضات.
ثمن الحفاظ على النظام
أصدر خامنئي بالفعل أوامره بحملة قمع واسعة للاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر ويناير الماضيين، والتي وصفت بأنها الأكثر دموية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وقد صرح حينها بضرورة “وضع حد لتصرفات مثيري الشغب”، قبل أن تطلق قوات الأمن النار على المتظاهرين الذين كانوا يهتفون “الموت للديكتاتور”.
تأتي تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقصف إيران مجدداً بعد أشهر قليلة من اضطرار خامنئي للاحتماء في مكان آمن إثر غارات جوية أودت بحياة عدد من المقربين منه وقادة في الحرس الثوري. وقد استهدفت هذه الغارات، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل العام الماضي، منشآت نووية وصاروخية رئيسة في البلاد.
تراجع النفوذ الإقليمي
باتت السياسة الإيرانية في المنطقة في موقف حرج، مع تضعضع أو سقوط حلفائها ووكلائها التقليديين. كانت هذه الغارات من بين التداعيات غير المباشرة العديدة للهجوم الذي شنته حركة حماس، المدعومة من إيران، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، والذي أشعل فتيل أحدث الحروب في قطاع غزة، وتخلله قصف إسرائيلي لجماعات أخرى متحالفة مع طهران في المنطقة.
مع إضعاف الضربات الإسرائيلية لحزب الله في لبنان والإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في سوريا، شهد نفوذ خامنئي في الشرق الأوسط تراجعاً ملحوظاً. ويواجه الآن مطالب أميركية بالتخلي عن أهم ورقة ضغط استراتيجية متبقية لبلاده، وهي ترسانتها من الصواريخ الباليستية.
معضلة البرنامج الصاروخي
عرضت إيران تقديم تنازلات واضحة بشأن برنامجها النووي، الذي تؤكد أنه لأغراض مدنية بحتة، بينما ينظر إليه الغرب وإسرائيل على أنه يمهد الطريق لإنتاج قنبلة ذرية. لكن خامنئي يرفض مناقشة التخلي عن برنامج الصواريخ، الذي تعتبره إيران وسيلة الردع الوحيدة المتبقية لديها في مواجهة أي هجوم إسرائيلي محتمل. ومع ذلك، فإن التمسك بهذا البرنامج قد يدفع واشنطن إلى شن غارات جوية.
مع تعزيز الحشد العسكري الأميركي، ستعتمد حسابات خامنئي على شخصية تشكلت من خلال الثورة وسنوات من الاضطرابات والحرب مع العراق وعقود من المناوشات مع الولايات المتحدة، فضلاً عن تمتعه بسلطات وصلاحيات واسعة جداً. وعندما سئل ترامب عما إذا كان يدرس توجيه ضربة محدودة للضغط على إيران من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، قال لصحفيين في البيت الأبيض: “أعتقد أنه يمكنني القول إنني أدرس ذلك”.
قبضة المرشد الأعلى
يحكم خامنئي البلاد منذ عام 1989، ويمتلك السلطة المطلقة على جميع مؤسسات الحكومة والجيش والقضاء. ورغم تولي مسؤولين منتخبين إدارة الشؤون اليومية، إلا أن خامنئي له القول الفصل فيما يتعلق بأي سياسة رئيسة، خاصة تلك المتعلقة بالولايات المتحدة. كما أحكم قبضته على نظام حكم رجال الدين المعقد في إيران، إلى جانب الديمقراطية المحدودة، مما حال دون قدرة أي جهة أخرى على تحدي قراراته.
منصب الزعيم الأعلى: من الضعف إلى القوة
في بداية حكمه، كان ينظر إلى خامنئي على أنه ضعيف وغير مؤهل لخلافة روح الله الخميني الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة وكاريزما طاغية. ولأنه لم يكن قد حصل بعد على لقب “آية الله” عند تعيينه زعيماً أو مرشداً أعلى، واجه خامنئي صعوبة في ممارسة السلطة عبر المرجعية الدينية كما كان متوقعاً في نظام حكم رجال الدين. وبعد صراع طويل للخروج من عباءة معلمه، تمكن أخيراً من فرض نفسه عن طريق تشكيل جهاز أمني قوي يعمل لصالحه وحده.
يتهم خامنئي الغرب بالسعي للإطاحة به. وفي خطاب حاد كعادته بعد احتجاجات يناير، ألقى بمسؤولية الاضطرابات على واشنطن. لكن رغم تشدده الأيديولوجي، أبدى خامنئي من قبل استعداداً لتقديم تنازلات عندما يكون بقاء “الجمهورية الإسلامية” على المحك.
يسمح مفهوم “المرونة البطولية”، الذي ذكره خامنئي لأول مرة في عام 2013، بتقديم تنازلات تكتيكية لتحقيق أهدافه، على غرار اختيار الخميني في عام 1988 الموافقة على وقف إطلاق النار بعد استمرار الحرب مع العراق نحو ثماني سنوات. وشكل تأييد خامنئي الحذر للاتفاق النووي الإيراني الذي أبرم مع ست قوى عالمية في عام 2015 لحظة أخرى من هذا النوع، حيث رأى أن تخفيف العقوبات ضروري لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وإحكام قبضته على السلطة. وانسحب ترامب من هذا الاتفاق خلال ولايته الأولى في عام 2018، وأعاد فرض عقوبات صارمة على إيران التي ردت بالمخالفة تدريجياً للقيود المتفق عليها على برنامجها النووي.
أدوات القوة: الحرس الثوري ومؤسسة ستاد
لجأ خامنئي مراراً إلى الحرس الثوري وقوات الباسيج، وهي قوة شبه عسكرية تضم مئات الآلاف من المتطوعين، في أوقات الضغط المتزايد لقمع المعارضة. وقد قمع الحرس الثوري وقوات الباسيج الاحتجاجات التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً في عام 2009 وسط اتهامات بتزوير التصويت. وفي عام 2022، اتسمت قرارات خامنئي بالقسوة نفسها في اعتقال وسجن وإعدام محتجين غضبوا لموت الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى السلطات. كما سحق الحرس الثوري وقوات الباسيج أيضاً الجولة الأحدث من الاحتجاجات في ديسمبر ويناير الماضيين.
يعود جزء كبير من قوته أيضاً إلى المؤسسة المالية الضخمة شبه الحكومية المعروفة باسم (ستاد)، والتي تخضع لسيطرة خامنئي المباشرة. ونمت هذه الإمبراطورية، التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، نمواً هائلاً خلال فترة حكمه، واستثمرت مليارات في الحرس الثوري.
شخصية المرشد: مزيج من الدهاء والحذر
يرسم باحثون خارج إيران صورة لخامنئي بأنه متمسك بفكر معين ويفضل السرية ويخشى الخيانة، وهو قلق تفاقم بسبب محاولة اغتيال في يونيو 1981 بقنبلة مخبأة في جهاز تسجيل صوتي أصابته بشلل في ذراعه اليمنى. ويقول خامنئي في سيرته الذاتية الرسمية إنه تعرض للتعذيب الشديد في عام 1963، عندما كان يبلغ من العمر 24 عاماً، حين قضى أولى فترات سجنه العديدة بسبب نشاطه السياسي في ظل حكم الشاه.
بعد الثورة الإسلامية، وبصفته نائباً وقتها لوزير الدفاع، أصبح خامنئي مقرباً من الحرس الثوري خلال الحرب التي دارت بين عامي 1980 و1988 مع العراق، والتي أودت بحياة نحو مليون من الجانبين. وفاز بالرئاسة بدعم من الخميني، لكنه كان اختياراً مفاجئاً ليخلفه عندما توفي الزعيم الأعلى، إذ افتقر وقتها للشعبية وللمؤهلات الدينية المطلوبة. وقال كريم سجادبور، من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، إن “صدفة تاريخية” حولت “رئيساً ضعيفاً إلى زعيم أعلى ضعيف في البداية ثم إلى أحد أقوى خمسة إيرانيين في المئة عام الماضية”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق