الرئيس الجزائري يلقي خطابًا في قمة إفريقية بأديس أبابا.
السياسة

خطاب السلام من أديس أبابا: تساؤلات حول واقع العلاقات المغاربية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في سياق الخطابات الدولية المتكررة حول أهمية السلام والحوار واحترام سيادة الدول، اعتلى الرئيس الجزائري منصة أديس أبابا ليُقدم رؤيته. وبينما تُقابل هذه الدعوات بتصفيق دبلوماسي معتاد، يجد المراقب للمشهد المغاربي نفسه أمام تساؤلات حول مدى انعكاس هذه المبادئ على الواقع الإقليمي الملموس.

يُلاحظ أن المنطقة المغاربية، ورغم الروابط التاريخية والثقافية العميقة بين شعوبها، لا تزال تشهد حدودًا مغلقة وخلافات متصاعدة. هذا التناقض يثير استفهامات حول طبيعة السلام المنشود؛ هل يمكن أن يكون سلامًا حقيقيًا لا يتجاوز بضعة كيلومترات تفصل بين دولتين جارتين؟ وهل يمكن الحديث عن حوار عالمي بينما الحوار الداخلي المغاربي يظل مؤجلًا إلى أجل غير مسمى؟

لقد سبق للعاهل المغربي أن وجه دعوات صريحة ومتكررة للحوار المباشر، إلا أن هذه الدعوات غالبًا ما قوبلت بما يمكن وصفه بالتجاهل الدبلوماسي، مما يعطي انطباعًا بأن مفهوم السلام قد يُنظر إليه كفكرة مثالية بعيدة عن التطبيق العملي في المنطقة.

المفارقة الإفريقية والمغاربية

من المفارقات اللافتة أن الخطاب الرسمي يشدد على وحدة الشعوب الإفريقية، بينما يظل الاتحاد المغاربي نموذجًا لمشروع طموح أُعلن عن ميلاده ثم تُرِك ليتحول إلى مجرد أرشيف. ففي الوقت الذي تتشارك فيه شعوب المنطقة التاريخ واللغة والعادات، يبدو أن السياسات الرسمية تصر على إقامة حواجز نفسية تتجاوز في تأثيرها أي حدود جغرافية.

وفي منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتداخل الأزمات الأمنية مع التحديات الاقتصادية، تتكرر الوعود ذاتها: مقاربات شاملة، حلول إفريقية، وتعاون إقليمي. هذه العبارات، وإن كانت محفوظة جيدًا في الأجندات الدبلوماسية، إلا أنها على أرض الواقع لم تنجح في الحد من تمدد الفوضى أو إقناع شعوب المنطقة بقرب تحقيق الاستقرار المنشود.

تحديات الواقع المغاربي: ممارسات تثير الجدل

تتضح الصورة بشكل أكبر عند تحليل الممارسات الفعلية على الساحة المغاربية، والتي تثير العديد من التساؤلات:

  • الاستفزازات السياسية والدبلوماسية:

    تُتهم الجزائر في مناسبات عدة بإطلاق تصريحات تستهدف المغرب أو مساعيه الإفريقية والدولية، سواء عبر المنابر الدولية أو وسائل الإعلام الرسمية. وقد سُجلت محاولات لتشويه صورة المغرب دوليًا، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، مما يؤدي إلى تصعيد التوترات الدبلوماسية.

  • دعم بعض المنظمات المسلحة:

    يُتهم النظام الجزائري بتقديم دعم سياسي ودبلوماسي لجبهة الجبهة الانفصالية، على الرغم من التقارير التي تربطها بعمليات تهريب ودعم غير قانوني للميليشيات. وتشير بعض المصادر إلى وجود شبكة دعم مالي ولوجستي لهذه المجموعات، مما يجعل الجزائر طرفًا غير مباشر في استمرار النزاعات المسلحة بالمنطقة. وتُطرح تساؤلات مماثلة حول مدى التعاون الجزائري في مكافحة مجموعات مرتبطة بتنظيمات إرهابية في شمال إفريقيا.

  • شيطنة الدول والتدخل في شؤونها:

    تتضمن بعض السياسات الجزائرية توجيه انتقادات مستمرة للدول المجاورة، وخاصة المغرب، بهدف تقويض جهود التعاون الإقليمي أو مشاريع التنمية المشتركة. هذا النهج يساهم في تعميق الانقسام بين الدول المغاربية والإفريقية، بدلًا من تعزيز التكامل والتعاون جنوب-جنوب.

  • التأثير على الأمن والاستقرار الإقليمي:

    تساهم هذه الممارسات في استمرار النزاعات المسلحة وتهديد أمن الحدود، مما يعرقل التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي في المنطقة. في المقابل، يواصل المغرب جهوده لتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والسلم.

السلام الحقيقي: من الخطاب إلى الواقع

المفارقة الكبرى تكمن في أن كلمة “السلام” أصبحت الأكثر تداولًا في الخطاب السياسي، وكأنها تعويذة لغوية تُقال كلما اشتدت الأزمات. لكن السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الخطب، بل بمدى القدرة على إنهاء الأزمات فعليًا. السلام يعني فتح الحدود لا إغلاقها، وبناء الثقة لا إدارة القطيعة، وتوجيه الأجيال نحو المستقبل لا تكريس الخصومة.

لم يعد السؤال اليوم حول جمالية خطابات السلام، فهي بلا شك كذلك، بل حول ما إذا كانت هذه الخطابات تهدف إلى بناء واقع جديد أم مجرد تلميع صورة قديمة. فالشعوب لم تعد تكتفي بالبيانات المطمئنة، بل تتطلع إلى شجاعة سياسية حقيقية تعترف بأن السلام يبدأ بخطوة بسيطة: الجلوس إلى طاولة الحوار بدل الاكتفاء بالحديث عنها.

إلى أن تتحقق هذه الخطوة، سيبقى السلام حاضرًا بقوة في الكلمات… وغائبًا بهدوء في الواقع.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *