شهد أسبوع الموضة في نيويورك لخريف وشتاء 2026 عودة لافتة إلى الجذور، حيث استلهم المصممون الأمريكيون مجموعاتهم الجديدة من إرثهم الخاص وتصاميمهم السابقة. هذه النزعة نحو الماضي تثير تساؤلات حول قدرة الموضة الأمريكية على الابتكار في ظل التحديات الراهنة.
إلهام من الماضي: رؤى المصممين الكبار
لم يكن الحنين مجرد لمسة عابرة، بل كان محورًا أساسيًا في عروض كبار المصممين. فقد استعرض مارك جاكوبس مقتطفات من مجموعاته الأيقونية لأعوام 1993، 1995، 1998، 2003، و2013، مؤكدًا في ملاحظات عرضه على هذا الاستلهام. بدا عرضه بمثابة إعلان عن نهاية حقبة الأزياء الضخمة التي صُممت لجذب انتباه منصات التواصل الاجتماعي، وبشر ببداية عصر جديد من الأناقة الانسيابية والعملية.
من جانبه، احتفل مايكل كورس بالذكرى الخامسة والأربعين لعلامته التجارية، مستلهمًا مجموعته من خريف 1998. وعلق كورس على هذا التوجه قائلاً: “بعد كل هذه السنوات في المجال، أصبحت أستقبل الجيل الثالث من زبائني. أسمع باستمرار عن فتيات يسرقن قطع جداتهنّ”، مما يعكس قيمة الإرث والتصاميم الخالدة.
أما رالف لورين، المعروف بكونه سيد الأنماط المربعة في الموضة الأمريكية، فقد واصل الغوص في أرشيفه الغني، مضيفًا لمسته الفردية التي تعد سر استمرارية نجاح علامته التجارية.
تحديات الموضة الأمريكية: هل الماضي هو الحل؟
تطرح هذه العودة إلى الماضي سؤالاً جوهريًا: هل ستسهم هذه الاستلهامات في دعم صناعة الموضة الأمريكية التي تواجه ضغوطًا جمة، من الرسوم الجمركية وانهيار المتاجر الكبرى، إلى مشهد تجاري وإعلامي متجانس قلص من القدرة على تنسيق إطلالات يومية بأسلوب أصيل؟
وهل تقدم هذه النسخ المعاد صياغتها من الكلاسيكيات القديمة للعملاء، الذين يتجهون بشكل متزايد نحو قطع “الفينتج” والمستعملة، ما يبحثون عنه حقًا؟ أم أن المصممين يخدعون المستهلكين الذين أصبحت مهمة العثور على ملابس أنيقة ومميزة بالنسبة لهم شبه مستحيلة في ظل طغيان ضوضاء التسويق عبر “إنستغرام” وأساليب مشاهير الموضة على إمكانية الوصول البسيط إلى الأزياء الراقية؟
معضلة الإبداع: بين الحنين والأصالة
تتجلى هنا معضلة واضحة في عالم الموضة الفاخرة: هل الحاضر معقد ومربك لدرجة أن اللجوء إلى الماضي بات ملاذًا ضروريًا؟ أم أن الدور الحقيقي للقائد المبدع يكمن في تقديم تصاميم تمنح التميز والأصالة التي تتناسب مع روح عصرنا الحالي؟
في هذا السياق، كشف تعبير مارك جاكوبس عن واقع الموضة اليوم. فقصاته المبسطة المستوحاة من التسعينيات، وتفاصيله الهادئة بأسلوب مطلع الألفية الثانية، كانت بمثابة إشارة واضحة إلى أن عصر الملابس المصممة خصيصًا لوسائل التواصل الاجتماعي وصناعة “النكات” قد انتهى رسميًا. لكن لا يكفي للمصممين تقديم ملابس محافظة لحل “المشكلة”، فما هو قابل للارتداء يجب أن يكون أيضًا غريبًا قليلاً، مثل بدلات التويد الصغيرة الأنيقة لدى جاكوبس، أو التنانير المقلّمة ذات الخصر الضخم غير المألوف.
يدرك رالف لورين، أكثر من أي مصمم آخر، أن عملاءه لا يبحثون فقط عن سترة فيكتوريانا بطبعة أوراق الشجر وأكمام كبيرة، بل عن الفكرة الكاملة لتنسيقها مع سروال بطيات مزدوجة، وحزام معدني، ووشاح صغير من فرو النمر. هذا الفهم الشامل يسهل على عشاق الموضة الرجالية، بعد عودته إلى ميلانو، التدقيق في صور العروض بحثًا عن أفكار تنسيق، خاصة وأن لورين يقدم القطع المتكاملة.
نماذج ناجحة ورؤى مستقبلية
ليس لدى كل مصمم القدرة على تقديم “النسخة الجديدة من القطعة القديمة”، فكثير منهم يفتقرون إلى الموارد أو النفوذ. وما يمكن للمصممين الأمريكيين فعله بشكل أفضل هو تبني عقلية الإبداع، وترك الأنا جانبًا، وتقديم الأدوات اللازمة للأناقة. أمثلة على ذلك تشمل الفستان الطويل بلا أكمام باللون الأزرق الباهت مع لمسات من الأخضر العشبي من تصميم راشيل سكوت لـ “برونزا سكولر”، أو معطف بياقة بارزة كبيرة من عرض مايكل كورس.
من بين المصممين الذين نجحوا في تجسيد فكرة الأزياء التي تمنح شعورًا بالجمال الفريد وتستمتع بها الأجيال المقبلة، يبرز مايكل كورس وويس غوردون
من دار كارولينا هيريرا. فقد منح كورس، من خلال معاطفه الذكية، شعورًا خاصًا بالفخامة، مؤمنًا بأن المعطف هو بطاقة تعريفك في نيويورك، إلى جانب أفكاره المبتكرة للملابس المسائية التي تجمع بين الأناقة والراحة. أما غوردون، فقد احتفى بالنساء في مجموعته من المعاطف الراقية، وبدلات التنانير الصوفية الأنيقة، والفساتين المطبوعة البسيطة، متبعًا نهجًا يركز على المرأة العالمية الراقية.
حين يعيق الماضي التقدم
في المقابل، هناك مصممون آخرون يبدون غارقين في الماضي لدرجة تعيق قدرتهم على التقدّم. ففي دار “برونزا سكولر”، ورغم تقديرها الكبير لمن سبقوها، قادت راشيل سكوت إلى خيارات غير مستقرة، مثل الطباعات الرقمية متوسطة الجودة والقطع المبالغ في تزيينها. القطع التي حصدت الإعجاب كانت تلك التي عكست أسلوبها الشخصي وانسجمت مع روح العصر، مما يؤكد أهمية متابعة الرؤية الإبداعية الجديدة بدل الالتزام الصارم بقواعد الماضي.
ولا يظهر السعي المضلّل لإعادة إنتاج الماضي بوضوح أكبر مما هو عليه لدى دار كالفن كلاين، التي تعيش موسمها الثالث من محاولة إعادة الإطلاق تحت إدارة المصممة الإيطالية فيرونيكا ليوني. فهي تبدو مترددة بين استحضار التسعينيات مع الفساتين السوداء البسيطة، أو العودة إلى العقد الثاني من الألفية مع البدلات الرسمية ذات اللمسات العصرية الخفيفة. وفي النهاية، بدت تصاميم كلاين وكأنها فخامة مصقولة بآليات الشركات والماكينات، لا أناقة أمريكية راقية نابعة من رؤية إنسانية واعية وعقل إبداعي حي.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق