صورة تجمع دونالد ترامب ونوري المالكي، ترمز للتدخل الأمريكي في السياسة العراقية.
السياسة

صدمة ترامب تهز المشهد العراقي: هل يفكك نفوذ إيران؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

بقلم: عقيل عباس

زميل أول غير مقيم في مبادرة العراق ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، يركز في أبحاثه على الهويات الوطنية والدينية وقضايا الحداثة ومسارات التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط.

في تطور مفاجئ هز الساحة السياسية العراقية، أطلق الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، تصريحاً حاسماً قد يكون كافياً لإنهاء طموحات رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، في العودة إلى سدة الحكم. فبعد أكثر من شهرين ونصف على الانتخابات التشريعية التي جرت في 11 نوفمبر الماضي، وحصول المالكي على ترشيح الكتلة البرلمانية الأكبر، الإطار التنسيقي، لتشكيل الحكومة المقبلة، جاء الرفض الأمريكي العلني ليقلب الطاولة.

رفض أمريكي صريح ينهي حظوظ المالكي

«سمعت أن دولة العراق العظيمة قد تتخذ خياراً سيئاً للغاية بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيساً للوزراء… بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا أُنتخب، فلن تقدم الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلاً أي مساعدة للعراق». هذه الكلمات المنسوبة لترامب، كانت بمثابة ضربة قاضية لترشيح المالكي، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من العودة إلى رئاسة الوزراء.

جاء قرار الإطار التنسيقي بترشيح المالكي في ظل شلل سياسي معتاد، حيث لا تمنح الانتخابات الفائز بأعلى المقاعد الحق التلقائي في تشكيل الحكومة، بل ينتقل هذا الحق إلى الكتلة البرلمانية الأكبر التي تتشكل بعد الانتخابات. هذا الوضع أدى إلى صراعات وصفقات مكثفة خلف الكواليس. ورغم أن ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي حل ثالثاً بـ 29 مقعداً، إلا أنه تمكن من نيل حق الترشيح من «الإطار» بعد تنافس شديد مع رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، الذي حصل على 46 مقعداً.

إرث المالكي المثير للجدل والتحديات الداخلية

لطالما أثار المالكي مشاعر سلبية عميقة في الأوساط العراقية، بسبب الإرث الثقيل لتجربته في الحكم، لا سيما ولايته الثانية (2010-2014). شخصيته الخلافية ومعارضة أطراف شيعية وغيرها لترشيحه كانت واضحة، لكن يبدو أن هذه المعارضة الداخلية لم تكن كافية لعرقلة طريقه نحو المنصب، قبل التدخل الأمريكي.

يُصر المالكي حتى الآن على المضي في ترشيحه، مستنداً إلى مزيج متناقض من الدعاوى الوطنية بمنع التدخل الأمريكي في الشأن السيادي العراقي، ومن جهة أخرى، إمكانية استرضاء إدارة ترامب عبر وعود بانتهاج سياسات تتسق مع استراتيجيتها في المنطقة، مثل تفكيك الفصائل المسلحة الموالية لإيران وإبعاد العراق عن نفوذ طهران وبناء علاقات إيجابية مع «سوريا ما بعد الأسد».

من المعلوم أن المالكي، سواء كان في الحكم أو خارجه، لعب دوراً محورياً في تشكيل ودعم الفصائل المسلحة وإدخال العراق في دائرة النفوذ الإيراني، إضافة إلى تصريحاته التحريضية بعد سقوط نظام الأسد بضرورة مواجهة سوريا التي يقودها «أبو محمد الجولاني» بوصفها تهديداً إرهابياً للعراق.

سابقة الرفض الأمريكي وتداعياتها

لم يكن رفض ترامب العلني والصريح للتعاون مع عراق يقوده المالكي الأول من نوعه. فقد سبق لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2014 أن قررت إيقاف دعمها العسكري للعراق إذا أصبح المالكي رئيساً للوزراء لمرة ثالثة. حينها، كان التقدير الأمريكي أن سياسات المالكي الانقسامية والضيقة الأفق قد تسببت في تدهور الأوضاع بالبلاد، وصولاً إلى سقوط الموصل، ثالث أكبر مدينة عراقية، بيد تنظيم داعش الإرهابي، واحتلاله ثلث البلاد في غضون أسابيع.

نجح الضغط الأمريكي الخارجي، مدعوماً بضغط داخلي عراقي، في استبعاد المالكي آنذاك، واستطاع العراق على مدى أربع سنوات تالية، في ظل رئاسة حيدر العبادي المدعوم أمريكياً، أن يستعيد بعض عافيته ويحرر أرضه من سيطرة تنظيم داعش في عام 2017. ساد حينها شعور عام بالتفاؤل بأن البلاد تجاوزت الأسوأ وأن الأفضل ينتظرها بعد سنوات من العناء والأخطاء والفرص الضائعة.

تحديات ما بعد داعش: نفوذ الفصائل المسلحة

لكن «السنوات المقبلة» أثبتت أن مشاق التركة السيئة لم يصاحبها تعلم حقيقي. فأقصى ما أنجزه العراق هو تجاوز مصاعب الإرهاب والصراع الطائفي واستعادة الوحدة الظاهرية للبلاد، لكنه وقع أسيراً للفصائل المسلحة الموالية لإيران. تصاعد نفوذ هذه الفصائل السياسي والاقتصادي والمؤسساتي بسبب تواطؤ التحالف السياسي الشيعي الحاكم معها، وهي الفصائل التي حصلت على الدعم المادي والشرعية المؤسساتية في ظل الولاية الثانية للمالكي.

تواصل ترسيخ هذه الشرعية وتوسيعها عبر التحالفات السياسية الشيعية الحاكمة، حتى أصبحت هذه الفصائل، في تحدٍ للقانون والدستور العراقيين، تدير رسمياً وزارات وتخوض انتخابات وتحصل على تمثيل برلماني متزايد. كل هذا عنى مزيداً من الهيمنة الإيرانية على القرار العراقي وتسخير الموارد والمؤسسات العراقية لصالح إيران في صراعها مع الولايات المتحدة ومحاولتها المستمرة في كسر منظومة العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب برنامجها النووي. فضلاً عن العجز المزمن للعراق، المنصاع للإملاءات الإيرانية، عن حماية السفارة الأمريكية في بغداد والجنود الأمريكيين في معسكراته من قصف الفصائل المسلحة.

تحول في الاستراتيجية الأمريكية وأدوات الضغط

بعد عملية «طوفان الأقصى» والرد الإسرائيلي القوي والمتعدد الجبهات عليها، ومع احتمالية عودة ترامب لرئاسة ثانية، تبدل التعاطي الأمريكي مع العراق. ابتعد النهج الجديد عن الاستثمار التعاوني الصبور، والعقيم عملياً، في حكومات عراقية متتابعة لتمكينها من الحد من النفوذ الإيراني الذي كان، في ظل هذا التعاون وبالرغم منه، يتصاعد ولا يتراجع.

تضمنت بعض علامات هذا التغيير التخلي عن النهج التعاوني لصالح ضغط مباشر، كما في المطالب الأمريكية بضرورة قيام العراق بتفكيك النفوذ الإيراني، والتلويح بعواقب سلبية في حال الفشل في هذه المهمة (الاتصالات الهاتفية في عام 2025 بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني). ويأتي إعلان ترامب الأخير برفض التعاون مع حكومة عراقية بقيادة المالكي تتويجاً لنهج الضغط هذا، الذي يُحَمِّل العراق تبعة قراراته لوحده.

الخيارات الصعبة أمام العراق

بالرغم من أن المالكي لا يزال متمسكاً بترشيحه، على أمل تراجع أمريكي عن رفضه مستعيناً بقنوات تواصل خلفية مع إدارة ترامب لتقديم التنازلات المطلوبة (تفكيك النفوذ الإيراني والتعاون مع سوريا الجديدة)، تدرك الطبقة السياسية العراقية أن المضي في تحدي إدارة ترامب والسماح بتشكيل حكومة جديدة يرأسها المالكي هو انتحار سياسي واقتصادي بسبب أدوات الضغط الهائلة والسهلة الاستخدام المتيسرة لهذه الإدارة إزاء العراق.

أبسط تلك الأدوات هو إغلاق الحساب المصرفي في البنك الفيدرالي الأمريكي في نيويورك الذي تودع فيه أموال النفط العراقية. هذا الحساب، المحمي بقرار رئاسي أمريكي صادر عام 2003 ويُجدد سنوياً، يحمي العراق من تطبيق أحكام تعويضات قضائية كثيرة صادرة نتيجة احتلال العراق للكويت إبان حكم الرئيس الأسبق صدام حسين. ويعني إغلاق هذا الحساب حرمان العراق من الحصول على أموال النفط الذي يبيعه في السوق العالمية، ما يؤدي إلى انهيار مالي سريع في البلد. فحسب أرقام عام 2025، تشكل هذه الأموال نحو 88% من الميزانية الاتحادية.

إذا امتنعت إدارة ترامب عن اللجوء إلى هذا الخيار الحاد والحاسم، فأمامها خيارات أخرى، ذات طابع تدريجي لكن بتأثير مشابه، مثل إيقاع عقوبات على مؤسسات وشخصيات رسمية عراقية ضالعة في دعم نفوذ إيران وكسر منظومة العقوبات الأمريكية ضدها.

المستقبل: هل يفكك التحالف الشيعي نفوذ إيران؟

على الأرجح لن يصبح المالكي رئيساً للوزراء بعد تحذير ترامب، لكن السؤال الأهم هنا يتعلق بقدرة أي رئيس وزراء آخر على تحقيق الهدف الأمريكي، الذي يتسق مع المصالح الوطنية العراقية، بتفكيك النفوذ الإيراني في البلد. الطرف الأكثر قدرة على الإجابة على هذا السؤال ليس شخص رئيس الوزراء، أياً يكن، وإنما التحالف الشيعي الحاكم، الذي يستطيع وحده، في حال اتفاقه على هذا الهدف، تفكيك النفوذ الإيراني عبر توفير الغطاء السياسي والدعم المؤسساتي لرئيس الوزراء المقبل للقيام بهذه المهمة. فهل سيدفع رفض ترامب للمالكي «الإطار التنسيقي» للقيام بالشيء الصحيح أخيراً؟


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *