نساء سوريات يتظاهرن في اللاذقية للمطالبة بحماية أفضل لمجتمعاتهن العلوية.
المجتمع

شهادات صادمة: علويات سوريات يروين قصص الخطف والاعتداء في ظل الفوضى السورية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تحذير: يحتوي هذا التقرير على إشارات إلى الاختطاف والعنف الجنسي، وقد يكون محتواه مزعجاً لبعض القرّاء.

ملاحظة: تم تغيير أسماء الضحايا وعائلاتهن ممن تحدثت إليهن بي بي سي بناءً على طلبهن وحفاظاً على خصوصيتهن.

في ظل الظروف المعقدة التي تشهدها سوريا، تتوالى شهادات مؤلمة لنساء من الطائفة العلوية يروين قصصاً مروعة عن الخطف والاعتداء. هذه الروايات، التي جمعتها بي بي سي نيوز عربي، تسلط الضوء على بعد إنساني مأساوي للصراع، وتثير تساؤلات حول دوافع هذه الجرائم والمسؤولية عنها.

شهادة راميا: رحلة الرعب من اللاذقية إلى إدلب

كانت راميا، الشابة التي لم تتجاوز العشرين عاماً، تستعد لنزهة هادئة مع عائلتها في ريف اللاذقية، عندما توقفت سيارة بيضاء وترجل منها ثلاثة رجال مسلحين ادعوا أنهم من عناصر الأمن العام. بعد حديث مقتضب، تم اقتيادها عنوة إلى السيارة. تروي راميا لبي بي سي اللحظات الأولى من الرعب: “السيارة سارت بعكس اتجاه بيتنا ثم غادرنا القرية، حينها أدركت أنهم اختطفوني”.

تصف راميا كيف تعرضت للضرب المبرح، وكيف تحولت صرخاتها وبكاؤها إلى عنف أشد. وعندما سُئلت عن طائفتها وأجابت بأنها علوية، بدأت الشتائم الطائفية تنهال عليها. بعد ساعات، وجدت نفسها في منطقة يعتقد أنها إدلب، مرغمة على ارتداء النقاب ومحتجزة في غرفة تحت الأرض. تروي بصوت حزين عن وجود واقٍ ذكري في الغرفة ومحاولاتها اليائسة لإخفائه، مدركةً أن ذلك لن يغير شيئاً من مصيرها المحتوم.

بقيت راميا يومين قيد الاختطاف، حاولت خلالهما الهرب مرة والانتحار مرتين. كان خاطفها، الذي بدت ملامحه آسيوية ويعتقد أنه من المقاتلين الإيغور، لا يتحدث العربية بطلاقة. قام بتصويرها بعد نزع النقاب عنها، مؤكداً أن الصور ستُرسل إلى “الأمير ليقرر مصيرها”. لكن زوجة المقاتل، التي كانت في المنزل مع أطفالها، كشفت لراميا أن الصورة ستحدد “ثمنها عند البيع”. وأضافت الزوجة أن عدداً كبيراً من النساء تعرضن للخطف، بعضهن “يُغتصبن ويُرسلن لعائلاتهن وبعضهن الآخر يُبعن”. لم تتمكن بي بي سي من التحقق بشكل مستقل من حالات “البيع”، إلا أن ناجيات أخريات تلقين تهديدات مماثلة.

حالات موثقة وإنكار رسمي

تشير مجموعة اللوبي النسوي السوري، وهي منظمة مدافعة عن حقوق المرأة، إلى تسجيل بلاغات عن اختفاء أكثر من 80 امرأة، غالبيتهن من الطائفة العلوية، وتم التحقق من 26 حالة منها كاختطاف. هذه الأرقام تتفاوت بين المنظمات الحقوقية المختلفة.

في المقابل، تنكر السلطات السورية وجود هذه الظاهرة بشكل ممنهج، معترفةً بحالة اختطاف واحدة فقط في مؤتمر صحفي عقد في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. إلا أن مصدراً أمنياً في إحدى مناطق الساحل السوري، فضل عدم الكشف عن هويته، أكد لبي بي سي وقوع حوادث خطف، مشيراً إلى فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات بفصل المتورطين، بمن فيهم عناصر أمن.

تمكنت بي بي سي من التواصل مع خمس من الفتيات المختطفات وعائلاتهن، حيث روت بعضهن تفاصيل الاعتداءات التي تعرضن لها، بينما لا يزال مصير أخريات مجهولاً.

شهادات أخرى: “العلويات خُلقن ليكنّ سبايا”

نسمة، أم في عقدها الثالث، عادت إلى عائلتها بعد تجربة مريرة وصفتها بأنها كانت “يائسة تماماً”. اختطفت من ريف اللاذقية، وتعتقد أنها احتجزت في إدلب أيضاً، لكن خاطفيها كانوا سوريين. بقيت سبعة أيام في غرفة واسعة، حيث تعرضت للاستجواب عن سكان قريتها وعلاقتهم بالنظام السابق. تروي نسمة كيف كانت تُوجه لها إهانات طائفية، قائلين: “إن العلويات خُلقن ليكنّ سبايا”. تعرضت نسمة للاغتصاب المتكرر، وكانت تفكر بالموت لتريح نفسها من العذاب.

لين، شابة أخرى لم تتجاوز العشرين، تعرضت للضرب والتهديد بالسلاح والاغتصاب بشكل يومي، بحسب والدتها حسنة. الخاطف، الذي لم يكشف عن وجهه، كان مقاتلاً أجنبياً يتفاخر بمشاركته في “مجازر الساحل السوري” ويشتم الطائفة العلوية. تقول والدة لين إنه كان يصف بناتهم بـ “الجواري”، لكن بعد أن ناقشته لين في أمور الدين، تغيرت معاملته وأصبحت ألطف.

هل هو اختطاف ممنهج؟

تثير هذه الشهادات تساؤلات حول طبيعة هذه الاختطافات. هل هي حالات إجرامية متفرقة أم جزء من استراتيجية ممنهجة؟

يرى الباحث والكاتب حسام جزماتي، المتخصص في الجماعات الإسلامية، أن وصف المختطفات بـ “السبايا” لا يتعدى كونه “رذالة وسخرية وترهيباً لفظياً”، مستبعداً أن تكون هذه العمليات سبياً منظماً بالمعنى الشرعي. ويشير إلى أنها “عمليات اختطاف واغتصاب وطلب فديات”، وأن الدوافع “ليست ممنهجة باتجاه معين، بل تجمع مؤثرات دينية وإبادية وجهادية، بالإضافة إلى رغبات عدوانية وتعدٍّ واستباحة”.

من جانبه، يرى الصحفي والناشط الحقوقي يامن حسين، أن روايات الناجيات تشير إلى “بنية أيديولوجية للخطف”، تقوم على اعتبار العلويين “مهزومين وبالتالي من السهل خطف نسائهم بغية إذلالهم”. ويؤكد صعوبة تحديد الدوافع بدقة ما لم تتم محاسبة الفاعلين.

ويضيف اللوبي النسوي السوري أن الشهادات الموثقة “تشير إلى وجود بعد أيديولوجي ديني متطرف في العديد من حالات الاختطاف”، حيث تحدثت ناجيات عن “تكفير الضحايا على أساس انتمائهن الديني، وفرض تعاليم وممارسات دينية قسرية عليهن”.

يُذكر أن العلويين يُنظر إليهم عموماً كمؤيدين للرئيس السابق بشار الأسد، رغم تعرض الكثير منهم للقمع. وبعد سقوط حكم الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 (ملاحظة: هذا التاريخ ورد في التقرير الأصلي وقد يكون خطأ مطبعياً أو إشارة لسيناريو مستقبلي أو تاريخ غير دقيق في المصدر)، تصاعدت مخاوفهم من هجمات انتقامية، خاصة بعد أعمال العنف الدامية التي شهدها الساحل في مارس/آذار.

دعوات للمحاسبة والإنكار الرسمي المستمر

تؤكد كريستين بيكرلي، نائبة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، أن شهادات الناجيات تشير إلى “أنماط من الأذى تتجاوز الاختطاف نفسه”، بما في ذلك الإيذاء الجسدي وإجبار المختطفات على الزواج، بمن فيهم قاصرات. وتلفت المنظمة إلى أن العائلات أبلغت الشرطة والأجهزة الأمنية في معظم الحالات، لكن دون تلقي معلومات ذات مغزى أو إحراز تقدم ملموس في التحقيقات. وتشدد بيكرلي على ضرورة “محاسبة المسؤولين وتقديم التعويضات، فالتقاعس عن ذلك يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان”.

في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية السورية في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الماضي نتائج تحقيقها في شكاوى اختطاف النساء والفتيات في الساحل السوري. وذكرت الوزارة، وفقاً لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن 41 ادعاءً من أصل 42 ثبت عدم صحته. وعزا المتحدث باسم الوزارة، نور الدين البابا، هذه الحالات إلى “هروب طوعي مع شريك عاطفي”، أو “تغيب مؤقت عند أصدقاء وأقارب”، أو “هروب من العنف الأسري”، بالإضافة إلى ادعاءات كاذبة وجرائم جنائية وحالات متورطين في “الدعارة والابتزاز”.

رفضت وزارة الداخلية السورية التعليق لبي بي سي، بينما أكد مصدر أمني في الساحل، فضل عدم الكشف عن اسمه، وقوع حوادث خطف، مشيراً إلى فتح تحقيقات واتخاذ إجراءات بفصل المتورطين من الخدمة، بينهم عناصر أمن.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *