خريطة توضح منطقة بني شنقول الحدودية بين السودان وإثيوبيا، مع إشارة إلى سد الروصيرص والنيل الأزرق.
السياسة

أزمة بني شنقول: أبعاد الصراع السوداني وتوازنات القرن الإفريقي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهدت العلاقات السودانية الإثيوبية مؤخراً مرحلة جديدة من التوتر، وذلك منذ تسرب معلومات تفيد بوجود معسكر تدريب لمقاتلين على صلة بقوات الدعم السريع السودانية في منطقة بني شنقول داخل الأراضي الإثيوبية. وتحدثت التقارير عن تدريب عناصر يُعتقد أنهم سيلتحقون بقوات الدعم السريع في جبهة النيل الأزرق، وهي منطقة استراتيجية لقربها من سد الروصيرص السوداني والحدود الإثيوبية، مما يضفي على القضية أبعاداً تتجاوز الجانب العسكري لتمس توازنات القرن الإفريقي برمته.

الموقف الإثيوبي الرسمي والنفي القاطع

سارعت أديس أبابا إلى نفي هذه المزاعم بشكل قاطع. فقد أكد مسؤول حكومي إثيوبي، في تصريح لـ”الحرة”، أن بلاده لا تنحاز لأي طرف في الصراع السوداني، مشدداً على “ثبات موقفها الداعم لوحدة السودان وضرورة إنهاء الصراع عبر الحوار السياسي بين الأطراف المتنازعة”. ونفى المسؤول كافة الادعاءات التي تروج لانحياز إثيوبيا لأي طرف ميداني، معتبراً إياها “عارية عن الصحة”. يهدف هذا الموقف الرسمي إلى ترسيخ صورة إثيوبيا كوسيط محتمل وليس طرفاً في النزاع، خاصة وأنها الدولة المضيفة للاتحاد الإفريقي، مما يمنحها ثقلاً سياسياً إضافياً في أي تحرك دبلوماسي.

تحليلات مغايرة: اتهامات بالتدخل والمصالح الاستراتيجية

في المقابل، قدمت رافاييلا ليبشيتز، الباحثة في معهد نيولاينز، قراءة مختلفة في حديثها مع “الحرة”، مشيرة إلى أن “معسكر تدريب قوات الدعم السريع في بني شنقول هو أول دليل مباشر على تورط إثيوبيا في حرب السودان، وهو ما يمثل تطوراً خطيراً، يحتمل أن يزود قوات الدعم السريع بجنود جدد في وقت تشهد فيه منطقة النيل الأزرق مزيداً من الصراع”. وأضافت ليبشيتز أن “المصادر تقول إن الإمارات العربية المتحدة مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً للموقع”. وذهبت أبعد من ذلك بالقول إن “إثيوبيا تتدخل في حرب السودان، وتقف إلى جانب قوات الدعم السريع وتقبل أموالاً من الإمارات العربية المتحدة، لحماية مصالحها فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير”. تجدر الإشارة إلى أن الإمارات تنفي التدخل في الحرب السودانية، مؤكدة في بيانات رسمية أنها لا تقدم “أسلحة أو دعماً عسكرياً لأي من الأطراف المتحاربة في السودان”.

وحذرت ليبشيتز من أن “تورط إثيوبيا في حرب السودان أمر محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى اندلاع صراع مع إريتريا، وقد ترى إثيوبيا أن من الاستراتيجي إبقاء القوات المسلحة السودانية، المتحالفة مع القاهرة، ضعيفة لأنها تقوي الجماعة المناهضة لسد النهضة الإثيوبي الكبير”.

الدبلوماسية في مواجهة التصعيد

في خضم هذا الجدل، قام وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم بزيارة إلى إثيوبيا، في خطوة فُسرت كمحاولة لاحتواء التصعيد ومنع انتقاله من مستوى الاتهامات الإعلامية إلى مواجهة سياسية مفتوحة. تزامنت هذه الزيارة مع تطور دبلوماسي مهم تمثل في الدعوات المستمرة لرفع تجميد عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي بعد إنهاء تجميد عضويتها في منظمة الهيئة الحكومية للتنمية “إيقاد”، مما أعاد الخرطوم إلى الطاولة الإقليمية بعد فترة عزلة.

تأويلات حول عودة السودان للمحافل الإقليمية

برز هنا سؤال حول ما إذا كان الموقف الإثيوبي من إعادة العضوية مجرد لفتة دبلوماسية أم جزءاً من مقايضات أوسع. ترى ليبشيتز أن إثيوبيا، “بصفتها الدولة المضيفة للاتحاد الأفريقي، تتمتع بنفوذ غير رسمي على ديناميكيات القمة. قد تختار إثيوبيا عدم معارضة عودة السودان إلى الاتحاد الأفريقي بشكل مباشر، مع الاستمرار في دعم قوات الدعم السريع على الأرض”. وتضيف أن “من الأفضل فهم عدم معارضة إثيوبيا المحتملة لإعادة العضوية على أنها لفتة دبلوماسية لا تكلف أديس أبابا الكثير.” كما تشير إلى أن أي تفاهم محتمل “ليس فقط بين إثيوبيا والخرطوم، بل هو جزء من مفاوضات إقليمية أوسع تشمل الولايات المتحدة ومصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”.

الضغوط الجغرافية ورؤية مختلفة

في المقابل، يقدم الصحفي الإثيوبي، نور الدين عبدا، رئيس تحرير “نيلوتيك بوست”، قراءة مختلفة تركز على الجغرافيا وضغوط الواقع. فهو يرى أن المناطق الحدودية تحولت إلى ساحة مواجهة بسبب سعي الجيش السوداني لتأمين مطارات وقواعد في مناطق الدمازين وسلك والكرمك الواقعة في جنوب شرق السودان على طول الحدود الإثيوبية ضمن ولاية النيل الأزرق. ويؤكد أن هذا “وضع إثيوبيا تحت الضغوط التي تمارس عليها من طرفي الحرب والمساندين لهما إقليمياً لدفع إثيوبيا نحو الانحياز، وهو ما ترفضه إثيوبيا وتحاول البقاء على مسافة واحدة من الجميع”. كما يرى نورالدين أنه لا يعتقد بوجود تغير جوهري في موقف أديس أبابا، بل إن مشكلتها أنها لا تعادي الدولة السودانية بالقدر الذي يريده الدعم السريع ولا تعادي الدعم السريع بالقدر الذي تريده حكومة السودان الرسمية، مما جعلها في مرمى اتهامات الطرفين.

مبادرة بولس: هدنة إنسانية أم إدارة للصراع؟

بالتوازي مع هذا المسار الإقليمي، ظهرت المسودة المعدلة التي قدمها المبعوث الأميركي إلى السودان، مسعد بولس، بقيادة الرباعية الدولية. وتركز الخطة على هدنة إنسانية عاجلة تفتح الباب لتدفق المساعدات، ثم تؤجل القضايا العسكرية والسياسية إلى مراحل لاحقة. تشرح ليبشيتز ذلك قائلة إن “الخطط السابقة التي كانت مشابهة إلى حد ما لهذه الخطة قد رفضتها بقوة قادة القوات المسلحة السودانية، ما يميز هذه الخطة هو سياقها ووضع الصراع في الوقت الحالي.” لكنها تحذر من أن تنفيذها “يتطلب إلى حد ما إضفاء الشرعية على قوات الدعم السريع… حتى لو انسحبت هذه القوات… فمن المرجح أن تظل هياكل الحكم التابعة لقوات الدعم السريع قائمة”. وتضيف أن الخطة “لن تؤدي على الأرجح إلى حل سياسي متين ولن تؤدي إلى حل قوات الدعم السريع، ومن المرجح أن تؤدي إلى إدارة الحرب بدلاً من إنهائها”.

تقاطع المسارات وتوازنات إقليمية معقدة

بهذا المعنى، تتقاطع المسارات الثلاثة: المسار الميداني في بني شنقول والنيل الأزرق، والمسار الدبلوماسي المرتبط بالاتحاد الإفريقي والإيقاد، ومسار مسودة بولس التي تسعى لتجميد الصراع عبر أولوية إنسانية. إثيوبيا تؤكد رسمياً أنها مع وحدة السودان والحوار السياسي، بينما تُتهم من خلال بعض التحليلات وصور الأقمار الصناعية بدعم قوات الدعم السريع لحماية مصالحها المرتبطة بسد النهضة. وبين النفي الرسمي والاتهامات، يبقى الثابت أن أي تحرك في بني شنقول أو النيل الأزرق لا يمكن فصله عن الحسابات الكبرى في أديس أبابا والخرطوم والقاهرة وأبوظبي والرياض، وأن مسار الحرب والسلام في السودان بات مرتبطاً بشكل وثيق بتوازنات إقليمية أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *