مع إشراقة كل صباح رمضاني، وقبيل موعد الإفطار تحديدًا، تتحول بعض الشوارع وأماكن العمل إلى ما يشبه ساحات لاختبار الصبر. وجوهٌ عابسة، أصواتٌ مرتفعة، ومشاداتٌ قد تنشب لأتفه الأسباب.. هذا المشهد المتكرر سنويًا يثير تساؤلًا جوهريًا: هل الصيام هو المحرك الفعلي لتقلب المزاج، أم أنه مجرد مبرر لانفلات الأعصاب؟
“الهانجري”: تفسير علمي لتقلبات المزاج
من منظور علمي، تشير الدراسات إلى ظاهرة تُعرف بمصطلح “الهانجري” (Hangry)، وهو مزيج من كلمتي الجوع (Hungry) والغضب (Angry). عندما ينخفض مستوى الجلوكوز في الدم، الذي يُعد الوقود الرئيسي للدماغ، يدخل الجسم في حالة تأهب قصوى. يفسر الدماغ هذا النقص الحاد على أنه تهديد وجودي، مما يحفزه على إطلاق هرمونات التوتر كالأدرينالين والكورتيزول. هذه الهرمونات تجعل الصائم أكثر عرضة للانفعال السريع والعدوانية اللفظية، حيث تتراجع قدرة الفص الجبهي، المسؤول عن التحكم في السلوك، على أداء وظيفته بكفاءة.
عوامل إضافية: مثلث التعب الرمضاني
لا يمكن حصر أسباب “العصبية الرمضانية” في الجوع وحده؛ فالانسحاب المفاجئ للكافيين، سواء من القهوة أو الشاي، والنيكوتين لدى المدخنين، يلعب دورًا محوريًا في تأجيج التوتر العصبي. يضاف إلى ذلك اضطراب الساعة البيولوجية ونقص ساعات النوم، وهما عاملان يؤديان إلى تقلبات مزاجية حادة، قد تحول الشخص الهادئ بطبعه إلى آخر سريع الاشتعال.
الصيام: تهذيب للنفس لا تعذيب
من زاوية نفسية وروحانية، يؤكد خبراء السلوك أن ربط الغضب بفريضة الصيام يتنافى مع جوهر الشهر الفضيل. فالصيام في عمقه هو دورة تدريبية مكثفة على “ضبط النفس”. إذا كان الإنسان قادرًا على كبح جماح نفسه عن غريزة البقاء الأساسية كالأكل والشرب، فإنه يمتلك بلا شك القدرة الفسيولوجية والنفسية على التحكم في لسانه وغضبه. لذا، غالبًا ما يُعتبر الغضب قرارًا سلوكيًا وليس حتمية بيولوجية لا مفر منها.
استراتيجيات فعالة لكسر حلقة الغضب
لتجاوز هذه التحديات، ينصح الأطباء بتبني وجبة سحور متوازنة وغنية بالألياف والكربوهيدرات المعقدة، مثل الشوفان والخبز الأسمر، لضمان إطلاق تدريجي ومستمر للسكر في الدم طوال ساعات النهار. كما يُشدد على أهمية تنظيم ساعات النوم والحفاظ على قسط كافٍ منه. والأهم من ذلك كله، هو “إعادة البرمجة الذهنية” بأن الصيام ليس ذريعة للإساءة أو الانفعال، بل هو فرصة ثمينة لإثبات قوة الإرادة والسمو بالنفس.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا

























اترك التعليق