صورة توضيحية لعمليات رقابة مالية دولية أو شعار مجموعة العمل المالي (FATF)
الاقتصاد

الكويت تحت المجهر الدولي: تحليل تداعيات إدراجها في القائمة الرمادية لـ FATF

حصة
حصة
Pinterest Hidden

الكويت تحت المجهر الدولي: تحليل تداعيات إدراجها في القائمة الرمادية لـ FATF

أدرجت مجموعة العمل المالي (FATF) دولة الكويت مؤخرًا ضمن قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة، والمعروفة إعلاميًا بـ “القائمة الرمادية”. هذا التصنيف، الذي أُعلن في 17 فبراير 2026، يشير إلى وجود قصور استراتيجي محتمل في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT) في البلاد، ويضعها تحت رقابة دولية مكثفة ضمن خطة عمل محددة زمنيًا لمعالجة هذه الثغرات.

ورغم أن هذا الإدراج لا يستتبع فرض عقوبات اقتصادية مباشرة، إلا أنه يحمل دلالات واضحة على أن الكويت لم تستوفِ بعد بعض معايير الفعالية التي تعتمدها المجموعة. في المقابل، أبدت السلطات الكويتية التزامًا سياسيًا رفيع المستوى بالتعاون مع FATF وفرعها الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بهدف تعزيز كفاءة نظامها الرقابي وتحسين مؤشرات الامتثال.

التقدم المحرز وأوجه القصور

وفقًا لبيان مجموعة FATF، أحرزت الكويت تقدمًا ملحوظًا منذ اعتماد تقرير المتابعة في يونيو 2024. شمل هذا التقدم اعتماد استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين الإطار الفني المتعلق بالعقوبات المالية المستهدفة، بالإضافة إلى تعزيز فهم المخاطر وتنفيذ برامج إشراف وتواصل قائمة على تقييم المخاطر مع المؤسسات المالية والأنشطة والمهن غير المالية المحددة.

في قراءة لأسباب هذا التصنيف، أوضح قيس الشطي، رئيس مركز “استشراف المستقبل للاستشارات والدراسات”، أن الإطار التشريعي والرقابي في الكويت يُعد قويًا نسبيًا. إلا أن أوجه القصور لا تنبع من غياب القوانين بقدر ما ترتبط بضعف التنفيذ والفاعلية على أرض الواقع. وأشار الشطي إلى عدة نقاط ضعف رئيسية، منها محدودية فهم مخاطر تمويل الإرهاب، وضعف الرقابة على قطاعات حساسة كالعقارات والمعادن الثمينة، وعدم دقة معلومات الملكية المستفيدة، وقلة التحقيقات والملاحقات في القضايا العابرة للحدود، فضلاً عن التحديات المتعلقة بتجميد الأصول المرتبطة بالإرهاب.

سجل حافل بقضايا الفساد وغسل الأموال

يأتي تصنيف FATF في سياق تطورات شهدتها الكويت خلال السنوات القليلة الماضية فيما يتعلق بملف غسل الأموال. ففي عام 2020، تصدرت قضية “الصندوق الماليزي” المشهد، حيث كشفت التحريات عن دخول ما يقارب مليار دولار إلى حساب “شخصية كويتية نافذة” قبل إعادة تحويلها إلى الخارج، ضمن مسار معقد امتد بين شركات في الكويت والصين عبر تعاملات وصفت بالوهمية وتزوير عقود. وقدر محققون ماليزيون وأميركيون، بحسب تقارير صحفية، أن نحو 4.5 مليار دولار تم اختلاسها من الصندوق منذ تأسيسه عام 2009.

وفي يونيو 2024، أصدرت محكمة التمييز الكويتية حكمًا بحبس الشيخ صباح جابر المبارك، نجل رئيس الوزراء الأسبق، وشريكيه ووافدين اثنين، لمدة 10 سنوات، وحبس محامٍ 7 سنوات. كما ألزمت المتهمين برد مليار دولار وتغريمهم متضامنين مبلغ 145 مليون دينار (نحو نصف مليار دولار).

عام 2020 أيضًا شهد بروز قضية أخرى عُرفت إعلاميًا باسم “غسل أموال مشاهير الكويت”، حيث أعلنت النيابة قائمة اتهام شملت نحو 12 من المشاهير ومكاتب شركات كدفعة أولى، مع وجود نحو 27 مشتبهًا بهم يجري التحري حول أعمالهم وثرواتهم بعد رصد تضخم في حساباتهم البنكية. وبعد تحقيقات استمرت أشهرًا، أغلقت الملفات لعدم ثبوت تورط المتهمين، قبل أن يُرفع، في العام التالي، التحفظ عن أموالهم وحساباتهم لدى جميع البنوك المحلية، وفقًا للعديد من التقارير الصحفية.

الأثر القانوني والاقتصادي

على الرغم من أن الاقتصاد الكويتي لا يُصنف عادة كبيئة مفتوحة أو معقدة مقارنة ببعض الاقتصادات الخليجية الأخرى التي تضم أسواقًا عقارية أو رقمية ضخمة، إلا أن تكرار هذه القضايا يثير تساؤلات حول طبيعة الثغرات القائمة، وما إذا كانت الإشكالية تتعلق بالتشريعات نفسها أم بآليات الرقابة والتنفيذ.

يؤكد المحامي سعود السبيعي أن الكويت تمتلك إطارًا قانونيًا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكن المعايير الحديثة لم تعد تكتفي بوجود النصوص، بل تركز على النتائج العملية القابلة للقياس، مثل عدد القضايا التي تنتهي بأحكام قضائية، وقيمة الأموال المصادرة، وشفافية بيانات المالك الفعلي للشركات. وعادة ما تعاني الأنظمة المالية النامية والمتوسطة الحجم من تحديات، منها الحاجة إلى تحسين جودة الإبلاغ في بعض القطاعات غير المصرفية، وتعزيز دقة بيانات المالك الفعلي للشركات، ورفع قيمة المصادرات بما يتناسب مع حجم المخاطر. ويشدد السبيعي على أن الردع الحقيقي في الجرائم المالية يتحقق عندما تصبح تكلفة المخالفة أعلى من عائدها المحتمل، فـ “كلما كانت الأحكام أسرع والمصادرات أقوى زادت الثقة في النظام المالي”.

ويختلف حجم تأثير إدراج بعض الدول في “القائمة الرمادية” لـ FATF بين دولة وأخرى بحسب قوة قطاعها المصرفي وطبيعة اقتصادها، كما يوضح السبيعي. وفي حالة الكويت، يرجح أن يكون “الأثر في المدى القريب محدودًا ويقتصر على ارتفاع تكاليف الامتثال وزيادة المتطلبات الإجرائية في بعض المعاملات الدولية”.

مسار الخروج من القائمة الرمادية

يرى الباحث الاقتصادي قيس الشطي أن إدراج الكويت على القائمة الرمادية ينعكس بصورة مباشرة على السمعة والاقتصاد، ويرفع مستوى المراقبة الدولية وتكاليف الامتثال، كما “ينعكس على تصنيفها الائتماني”، ويحد من توجه بعض الاستثمارات الأجنبية إلى السوق الكويتي. ومن شأن ذلك أن يجعل العلاقات المصرفية الدولية مع الكويت أكثر تعقيدًا نتيجة التدقيق المالي المعزز والإجراءات الإضافية المفروضة على التحويلات المالية، وهو ما قد يمنح دولًا أخرى في المنطقة، مثل السعودية والإمارات، ميزة نسبية في المنافسة على جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد.

لذلك، يقترح الشطي أن تتحرك الكويت في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

  1. تعزيز الرقابة على قطاع العقارات وتجار المعادن الثمينة.
  2. ضمان دقة سجل الملكية المستفيدة مع تطبيق عقوبات رادعة عند المخالفة.
  3. زيادة التحقيقات والملاحقات في قضايا غسل الأموال، خصوصًا تلك ذات الطابع العابر للحدود.

من جانبه، يرى السبيعي أن التصنيف الجديد للكويت يشكل فرصة لتعزيز فعالية المنظومة الرقابية والقضائية. ويوصي بالتركيز، في المرحلة المقبلة، على “رفع مستوى التحقيقات المالية، وتعزيز شفافية بيانات الملكية الفعلية، وتوسيع ثقافة الامتثال في القطاعات غير المصرفية، وإثبات نتائج عملية قابلة للقياس”.

يؤكد السبيعي أن “الخروج من القائمة ممكن خلال السنوات المقبلة إذا ما تم تحقيق تقدم واضح في التطبيق العملي، وليس فقط عبر التعديلات التشريعية”.

بقلم: سكينة المشيخص (كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية)


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *