الجهوية المتقدمة بالمغرب: تحديات التنفيذ وسؤال الحكامة الترابية
في قراءة سوسيولوجية معمقة لواقع التدبير الترابي بالمملكة، قدم الدكتور إدريس أيتلحو، أستاذ سوسيولوجيا التراب بجامعة القاضي عياض بمراكش، تحليلاً نقدياً لتجربة الجهوية المتقدمة بعد مرور عقد ونصف على إطلاقها الدستوري. واعتبر أيتلحو أن المغرب يشهد “زمناً ضائعاً” نتيجة فجوة واسعة بين جودة النصوص القانونية وطموحاتها الكبرى، وعجز الممارسة الميدانية عن مواكبة هذه التطلعات.
فجوة بين الطموح والواقع: مسار الجهوية المتقدمة
أوضح الدكتور أيتلحو، خلال استضافته في برنامج “إيمي ن إغرم” على منصات جريدة “العمق”، أن دستور 2011 جاء بصياغة “جيدة جداً” لمفهوم الجهوية المتقدمة والموسعة. إلا أن المسار السياسي والتدبيري الذي بدأ عام 2013 شهد تراجعاً في تداول مصطلح “الجهوية الموسعة” لصالح “المتقدمة”، وذلك لأسباب معينة. ورغم صدور ترسانة قانونية هامة في عام 2014، والتي عملت عليها الجماعات الترابية، فإن الحصيلة النهائية بعد مرور خمسة عشر عاماً لا تزال بعيدة عن تحقيق الأهداف المرجوة التي كان يطمح إليها المغرب.
إكراهات داخلية وخارجية تعيق التقدم
يرى الخبير السوسيولوجي أن تأخر قطار الجهوية لم يكن مقتصراً على خلل داخلي بحت، بل تأثر بسياقات جيواستراتيجية وإكراهات خارجية ضاغطة. شملت هذه الإكراهات ملفات الجوار مع الجزائر وتطورات قضية الصحراء المغربية، بالإضافة إلى تقلبات السياسات الدولية التي لا تتوافق دائماً مع المصالح الوطنية. كما ساهمت الكوارث الطبيعية الصادمة، مثل زلزال الحوز، في استنزاف جهود الدولة ومواردها.
المساءلة: حجر الزاوية الغائب
شدد أيتلحو على أن الجهود المبذولة، على ضخامتها، تظل غير كافية ما لم تقترن بإرادة سياسية حقيقية قادرة على تفعيل المبدأ الدستوري الأساسي وهو “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. وأشار إلى أن مفهوم المساءلة يفتقر اليوم إلى الأجرأة والوضوح، داعياً إلى الانتقال من الأنظمة الجماعية الشمولية إلى “فكر فرداني منهجي”. ويقصد بذلك مأسسة المحاسبة بحيث تُحاسب المؤسسة في شخص مسؤولها المباشر بناءً على ضوابط دقيقة، مستشهداً بالنماذج المتقدمة في ألمانيا وإسبانيا وأمريكا، مع التحذير من الاستنساخ الأعمى للنموذج الفرنسي الذي ظل المغرب حبيساً لفلسفته وسوسيولوجيته منذ فترة الاستعمار.
استقلالية القرار المحلي: بين النص والممارسة
في تشخيص دقيق لعلاقة السلطة بالمنتخبين، كشف أيتلحو عن وجود “غموض قانوني مقصود” يعيق استقلالية القرار المحلي. وأوضح أن الانتقال من الرقابة القبلية إلى البعدية لم يحرر الجماعات الترابية بشكل كامل، بل أبقى المنتخبين في “قبضة الولاة والعمال” الذين يمارسون سلطة فعلية تتجاوز أحياناً إرادة المجالس المنتخبة. هذا الوضع، حسب تعبيره، أدى إلى إفراغ مبدأي “التفريع” والتدبير الحر من محتواهما، فبالرغم من تنصيص الدستور والنموذج التنموي الجديد على منح الحرية للمدبرين المحليين، إلا أن الواقع يثبت أن الدولة لم تترك للجماعات مساحة كافية للتحرك بشكل مستقل.
ازدواجية الخطاب والنضال
لم يغفل أستاذ سوسيولوجيا التراب انتقاد ازدواجية خطاب بعض المناضلين الذين يرفعون شعارات “ضد المركزية”، بينما تتسم ممارساتهم وسلوكاتهم داخل الأحزاب والجمعيات بمركزية مفرطة وضد ترابية بامتياز.
العدالة المجالية: تحدي التوزيع العادل للثروة
تطرق الدكتور أيتلحو أيضاً إلى الجانب المالي، معتبراً إياه لب الصراع التنموي. وسجل غياب الشفافية والإنصاف في إعادة توزيع الثروة والمال العام، ضارباً مثالاً صارخاً بالحيف الضريبي الذي يعاني منه سكان المناطق النائية كمنطقة “ألنيف” و”حصيا”. فالمواطن هناك يدفع نفس الضرائب التي يدفعها القاطن في مراكز الثروة كالدار البيضاء والرباط، وهو أمر يتنافى مع منطق العدالة الترابية. ودعا في هذا السياق إلى ضرورة إقرار تحفيزات ضريبية وإعفاءات لفائدة المواطنين في المجالات الجغرافية الهشة لتحقيق توازن حقيقي.
نحو دستور جديد وإرادة سياسية حاسمة
أكد أيتلحو أن الخروج من نفق التراكمات السلبية يتطلب شجاعة سياسية للذهاب نحو “دستور جديد” يُكتب بوضوح تام يمنع التأويلات المعطلة، ويقطع مع ظاهرة تأخر القوانين التنظيمية التي ظل بعضها غائباً لسنوات. واختتم بالتأكيد على أن إصلاح القوانين الحالية هو المفتاح الوحيد لتفادي الكوارث السوسيو-طبيعية وبناء جهوية حقيقية تصالح المواطن مع ترابه.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق