لم تعد ظاهرة التسول في مدينة جرسيف مجرد حالات فردية تستدعي التعاطف، بل تطورت، وفق شهادات متعددة من الساكنة، لتصبح سلوكيات تتسم بالإلحاح المفرط، وفي بعض الأحيان تتجاوز ذلك إلى العنف اللفظي أو حتى الجسدي. هذه المشاهد تتكرر بشكل لافت أمام المحلات التجارية، بالقرب من الإدارات العمومية، وفي محيط الأسواق والمساجد، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى حماية المواطن الجرسيفي من تسولٍ يتحول إلى مضايقة حقيقية.
تطور الظاهرة: من الحاجة إلى الإزعاج
يؤكد عدد من المتضررين أن القضية لم تعد مقتصرة على الفقر والحاجة فقط، بل باتت مرتبطة بظهور وجوه غريبة عن المدينة، تتحرك في مجموعات منظمة، وتستخدم أساليب ضغط نفسي تستهدف بشكل خاص النساء وكبار السن وأصحاب السيارات. هذه الحالات توصف من قبل المواطنين بأنها “ابتزاز عاطفي” يتجاوز حدود المساعدة الإنسانية، ليصنف ضمن خانة الإزعاج والتهديد غير المباشر.
الأبعاد القانونية والأمنية
من الناحية القانونية، يعتبر التسول بحد ذاته وضعاً اجتماعياً معقداً، لكنه يتحول إلى قضية أمنية تستوجب تدخلاً حازماً من الجهات المختصة، وعلى رأسها المديرية العامة للأمن الوطني والسلطات المحلية التابعة لوزارة الداخلية، عندما يقترن بالإكراه، أو استغلال الأطفال، أو بتشكيل شبكات منظمة. إن هذه الممارسات تستدعي مقاربة أمنية واضحة للحد من تفاقمها.
جذور المشكلة: أسئلة تنتظر الإجابات
غير أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها، تظل غير كافية لمعالجة المشكلة من جذورها. فالظاهرة أعمق من مجرد إبعاد المتسولين من مكان لآخر. تبرز أسئلة ملحة حول مصدر هذه الظاهرة: هل هي نتيجة هجرة داخلية موسمية؟ هل هناك شبكات منظمة تعمل على نقل الأشخاص بين المدن؟ أم أنها انعكاس مباشر لتفاقم الهشاشة الاجتماعية في المنطقة؟
نحو مقاربة شاملة لمعالجة الظاهرة
تتطلب المعالجة الفعالة لهذه الظاهرة اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين عدة أبعاد:
- الحزم القانوني والأمني: من خلال تنظيم حملات ميدانية مستمرة لضبط السلوكيات العدوانية، ومراقبة أي استغلال للأطفال أو للأشخاص في وضعية هشاشة.
- البعد الاجتماعي: عبر تفعيل برامج الإدماج الاقتصادي والتكوين المهني، وإحداث فضاءات استقبال مؤقتة للحالات الإنسانية التي تستدعي الدعم، بدلاً من تركها عرضة للشارع.
- الوعي المجتمعي: ترسيخ ثقافة العطاء المسؤول، بحيث يتم توجيه الدعم نحو مبادرات خيرية منظمة وشفافة تضمن كرامة المستفيدين ونجاعة المساعدة، بدلاً من تشجيع التسول العشوائي الذي قد يغذي الظاهرة المنظمة.
خاتمة: توازن بين الكرامة والأمان
إن حماية كرامة المحتاج واجب إنساني لا يختلف عليه اثنان، لكن حماية أمن المواطن وطمأنينته في فضائه العام لا يقل أهمية. في جرسيف، يكمن الرهان الحقيقي في إيجاد توازن عادل يحفظ للمدينة صورتها الحضارية ولساكنتها حقها في فضاء عمومي آمن ومنظم. فالمدينة التي تسعى إلى تنمية حقيقية وجذب الاستثمار لا يمكن أن تقبل بتحول فضاءاتها العامة إلى بؤر توتر يومي. المطلوب اليوم ليس حملات ظرفية عابرة، بل رؤية واضحة ومستدامة تعالج الجذور قبل النتائج، وتضع مصلحة المواطن في صلب الأولويات.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق