يحيي الأردن، في الخامس عشر من شباط من كل عام، “يوم الوفاء للمحاربين القدامى والمتقاعدين العسكريين”، مناسبة وطنية راسخة تعكس عمق التقدير والعرفان لجيل من أبناء الوطن بذل الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن ترابه وصون أمنه واستقراره.
رسالة ملكية سامية وتقدير وطني
لم تكن هذه المناسبة مجرد احتفال عابر، بل هي تجسيد لرؤية ملكية حكيمة أرادها جلالة الملك عبدالله الثاني رسالة وفاء وامتنان لرفاق السلاح الذين أفنوا زهرة شبابهم وطاقاتهم في ميادين الشرف والواجب. وقد جاء اعتماد هذا اليوم الوطني بقرار ملكي سامٍ صدر في الحادي والعشرين من آذار عام 2012، ليؤكد على المكانة الرفيعة التي يحظى بها المتقاعدون العسكريون من القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية – ودورهم المحوري في حماية منجزات الدولة.
ذكرى “الشهداء السبعة”: إلهام للتضحية والفداء
يحمل تاريخ الخامس عشر من شباط دلالة تاريخية عميقة، إذ يستذكر الأردنيون فيه بطولة معركة “الشهداء السبعة” التي وقعت عام 1968. هذه المعركة الخالدة، التي سبقت نصر الكرامة، شهدت مواجهة باسلة لكتيبة الحسين الثانية ضد عدوان إسرائيلي شرس امتد من جسر الأمير محمد إلى أم قيس. وفي ذلك اليوم، سطر الرائد الركن منصور كريشان وستة من رفاقه – محمود النسور، وعوض الجراح، ومنير المصري، وأحمد حسن، ومحمد عقلة، وأحمد عبدالله – أروع صور التضحية، فارتقوا شهداء، لتظل سيرتهم نبراسًا للفداء وعزيمة لا تلين في سجل الوطن.
المتقاعدون العسكريون: ركيزة وطنية لا تنضب
في هذا السياق، أكد اللواء الركن المتقاعد عدنان الرقاد، مدير عام المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء، أن “يوم الوفاء” يمثل محطة وطنية مضيئة تستحضر تاريخًا حافلًا بالبطولة والانضباط والتضحية. وشدد الرقاد على أن هذا اليوم، الذي أرساه جلالة الملك، يجسد نهجًا ملكيًا راسخًا من الوفاء لرفاق السلاح الذين ساهموا في بناء الأمن والاستقرار، وما زالوا أوفياء للراية والرسالة.
وأضاف أن تسمية الملك للمتقاعدين بـ”رفاق السلاح” تعبير عميق عن إيمان القيادة بأن من خدموا في صفوف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية سيبقون قوة خبرة وحكمة وعطاء في وجدان الوطن. كما أشار إلى أن اللقاءات الملكية المتواصلة مع المتقاعدين العسكريين تؤكد أنهم يشكلون ركيزة وطنية يعول عليها في ترسيخ القيم والانتماء وتعزيز الوعي الوطني في مختلف الميادين.
مبادرات ملكية لتعزيز كرامة المتقاعدين
ولم يقتصر الوفاء الملكي على الكلمات، بل ترجم إلى واقع ملموس عبر مجموعة من المكارم والمبادرات التي تستهدف خدمة المتقاعدين وأسرهم. وأوضح اللواء الرقاد أن جلالة الملك، بصفته رفيق سلاح قبل أن يكون قائدًا، يدرك حجم التضحيات، ولذلك تتجاوز اهتماماته اللقاءات البروتوكولية إلى الزيارات الميدانية والاستماع المباشر واستشارتهم كبيوت خبرة.
أبرز الخدمات والمشاريع:
- تأمين وظائف لنحو 11 ألف متقاعد في قطاعات الأمن والحماية.
- توفير فرص عمل من خلال مشروع “تكسي المطار” الذي يضم 78 سيارة مملوكة للمؤسسة.
- تقديم قروض شخصية وقروض “المحفظة الإقراضية” بدون فوائد لدعم المشاريع الصغيرة، بمبالغ تتراوح بين 2000 و7000 دينار، استفاد منها حوالي 2000 مشروع.
- الإشراف على 96 جمعية تعاونية للمتقاعدين، منها 3 جمعيات مخصصة للمتقاعدات العسكريات.
- توقيع اتفاقيات مع شركات الاتصال لتوفير خطوط بأسعار مخفضة بنسبة 40%، بآلية اقتطاع ميسرة.
- تفويج 33 حاجًا و1400 معتمر سنويًا على نفقة المؤسسة.
- تخصيص 100 شاغر وظيفي سنويًا لأبناء المتقاعدين عبر هيئة الخدمة والإدارة العامة، بالإضافة إلى 30 شاغرًا للمصابين العسكريين، وهو نهج مستمر منذ عام 2022.
- إنشاء أندية خاصة بالمتقاعدين العسكريين في جميع محافظات المملكة، كهدية وفاء وتقدير ملكي.
تجديد البيعة ودور استراتيجي
من جانبه، أكد اللواء المتقاعد هشام خريسات أن هذا اليوم يمثل “تجديد البيعة للقيادة الهاشمية”، مشيرًا إلى أن الهاشميين لطالما نظروا إلى القوات المسلحة كركيزة سيادية وهوية وطنية جامعة. وشدد على أن المتقاعدين العسكريين يظلون رديفًا حيويًا ومعينًا لا ينضب للقوات المسلحة، وهم في جاهزية تامة للدفاع عن مكتسبات الوطن وسيادته.
ولفت إلى أن الأردن، بنموذجه الحكيم والمتوازن في مواجهة التحديات الإقليمية، يجد في “يوم الوفاء” تجسيدًا حقيقيًا للقيم السامية التي تحكم الدولة، مؤكدًا أن رعاية المتقاعدين هي امتداد أصيل لرعاية العاملين، وأن من صنعوا أمن الأردن ومجده سيبقون في صلب اهتمامها.
مخزون استراتيجي للوطن
بدوره، وصف العميد المتقاعد ممدوح العامري، مدير التوجيه المعنوي الأسبق، المتقاعدين العسكريين بأنهم “ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني الأردني”، لما يمتلكونه من خبرات نوعية متراكمة ومعرفة مؤسسية عميقة ساهمت في حماية أمن الدولة واستقرارها. وأضاف أنهم يمثلون مخزونًا استراتيجيًا وطنيًا، امتدادًا لعقيدة الجيش العربي القائمة على الاحتراف والانضباط والولاء، ودورهم يتواصل في تعزيز الوعي الوطني ونقل الخبرة ودعم مؤسسات الدولة.
واختتم العامري بالإشارة إلى أن الاهتمام الهاشمي بالمتقاعدين يعكس نهجًا ثابتًا في تقدير التضحيات وصون الكرامة، وترسيخ قيم الوفاء والعرفان لمن حملوا شرف الخدمة وأسهموا في بناء منظومة الأمن والاستقرار التي يقوم عليها الأردن الحديث.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق