صورة توضيحية لرموز الأديان السماوية الثلاثة أو لبيت العائلة الإبراهيمية كرمز للتعايش.
منوعات

جدل ‘الديانة الإبراهيمية’: بين رؤى التعايش ومخاوف المؤامرة

حصة
حصة
Pinterest Hidden

شهدت الساحة الإعلامية والثقافية مؤخرًا تصاعدًا ملحوظًا في الحديث عن مفهوم “الديانة الإبراهيمية”، وهو مصطلح أثار جدلاً واسعًا وتفسيرات متباينة. فبينما يرى البعض فيه دعوة للتعايش والتلاقي الإنساني بين أتباع الديانات السماوية، يتخذه آخرون ذريعة لإطلاق حملات منظمة تحذر من “مؤامرة كبرى” تستهدف الإسلام ذاته.

حملات التشويه: استهداف التعايش الحضاري

تتردد عبارة “الديانة الإبراهيمية” بإلحاح في حملات إعلامية مكثفة، يروج أصحابها لفكرة وجود حرب ممنهجة ضد الإسلام، وسعي حثيث لاستبداله بما يصفونه بـ”مؤامرة صهيونية صليبية” تهدف إلى خلق دين جديد. والحقيقة أن هذا المصطلح، كما يرى الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى، يفتقر إلى أي تعريف واضح أو مضمون حقيقي، ويُعد مجرد “تشويش متعمد وتشهير”. الهدف الأسمى لهذه الحملات هو تقويض فكرة التعايش الحضاري بين أصحاب الأديان وضرب أي محاولة للحوار القائم على الإيمان بالتنوع والتعدد والإنسانية. إنهم يسعون لخلق حالة دائمة من التنافر والتناحر والاقتتال، حيث يجد المتعصبون والمتطرفون ضالتهم في إدانة الأديان الأخرى وتكفيرها ومحاربتها.

السادات وحلم مجمع الأديان في سيناء

بالعودة إلى التاريخ القريب، وتحديدًا قبل خمسين عامًا، نجد الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، الذي كان يمتلك رؤية مستقبلية وخيالاً خصباً. فبعد إطلاقه عملية السلام وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام مع إسرائيل، كان السادات يحلم بقضاء بقية حياته في سيناء، تلك الأرض التي تحمل رمزية دينية عميقة للأديان الثلاثة. كان طموحه يتمثل في إنشاء “مجمع للأديان” يضم مسجدًا وكنيسة ومعبدًا يهوديًا، ليكون مكانًا للتعبد والتلاقي والحوار بين أتباع الديانات المختلفة. لقد آمن السادات بأن الأديان ما هي إلا نسخ متعددة لدين إلهي واحد، وأن الإسلام نفسه يشمل جميع الأنبياء من إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، بمعنى التسليم لله.

لكن هذا الحلم المثالي اغتيل مع اغتيال السادات نفسه. والمفارقة التاريخية تكمن في أن السادات، الذي كان داعية سلام، كان قد ساهم في مرحلة سابقة في صناعة ظاهرة الإسلام السياسي وتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية، قبل أن يدرك خطورة هذا التحالف ويعتذر عنه في خطابه الأخير قبل وفاته بأيام.

“بيت العائلة الإبراهيمية”: تجسيد للرؤية الإماراتية

مع توقيع “اتفاقيات السلام الإبراهيمي” بين دول عربية وإسرائيل، عاد الحديث عن الحوار والتعايش بين الأديان إلى الواجهة. وتبرز هنا مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة بإنشاء “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي. هذا الصرح الحضاري، الذي جمع بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، يضم مسجدًا يحمل اسم الإمام أحمد الطيب، وكنيسة باسم البابا فرنسيس، ومعبدًا يهوديًا باسم موسى بن ميمون. يمثل هذا المشروع تجسيدًا لرؤية السادات القديمة في مكان رمزي للتلاقي والحوار، ويسعى إلى بناء عالم يتسم بالتعايش والتحضر بعيدًا عن الصراعات الدينية.

“الفنكوش” الإخواني: صناعة عدو وهمي

تحول مشروع “بيت العائلة الإبراهيمية”، الذي يمثل حوارًا حضاريًا بين الأديان، إلى مادة خصبة لما يسميه البعض “الديانة الإبراهيمية”. ويرى إبراهيم عيسى أن هذا المصطلح ليس سوى “فنكوش” إخواني، مستعيرًا التعبير من الفيلم الشهير “واحدة بواحدة” للفنان عادل إمام. فكما كان “الفنكوش” منتجًا وهميًا حظي بدعاية هائلة دون وجود حقيقي، فإن “الديانة الإبراهيمية” تُروّج كفكرة خطيرة لا أساس لها من الصحة. الهدف من هذا الاختراع هو تحشيد تيارات الإسلام السياسي وتأجيج تعصبها في مواجهة الآخر، عبر خلق عدو وهمي يوحي بأن الإسلام دين هش وضعيف يمكن أن ينهار أمام مصطلح جديد. هذا الطرح لا يدافع عن الإسلام بقدر ما يكشف عن نظرة مشوهة وهشاشة فكرية لدى مروجيه.

في الختام، يظل الجدل حول “الديانة الإبراهيمية” يكشف عن صراع بين رؤيتين: إحداهما تدعو إلى التلاقي والتعايش الإنساني، والأخرى تسعى إلى تأجيج الخلافات وتكريس الانقسام تحت ستار المؤامرات الوهمية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *