شاحنات تحمل صواريخ في نفق مظلم، ترمز لقدرات الميليشيات العراقية المدعومة من إيران.
السياسة

تصاعد التوتر الإقليمي: هل تدفع إيران بأذرعها العراقية إلى واجهة المواجهة؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في ظل استمرار الميليشيات العراقية في استقطاب المتطوعين وعرض قدراتها الصاروخية علناً، تتكشف ملامح خطة إيرانية محتملة تهدف إلى تفعيل دور أذرعها المسلحة في العراق لمواجهة واشنطن وتل أبيب. هذه التحركات تأتي في سياق إقليمي معقد، يثير تساؤلات حول استراتيجية طهران في المنطقة.

تطورات ميدانية مقلقة في العراق

شهدت الساحة العراقية خلال الأسابيع الماضية تحركات علنية لافتة لميليشيات بارزة، مثل منظمة بدر وكتائب حزب الله وحركة النجباء. هذه الفصائل أعلنت استعدادها العسكري الكامل للدخول في مواجهة محتملة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدةً أنها ستفعل ذلك دفاعاً عن إيران. وقد وجهت نداءات إلى من وصفتهم بـ”المجاهدين” للاستعداد لحرب شاملة في حال تعرضت إيران لأي هجمات.

وفي تطور آخر، نشرت ميليشيا تُعرف باسم “أولياء الدم” مقطعاً مصوراً الشهر الماضي، يظهر شاحنات تحمل صواريخ تسير في نفق مظلم، في مشهد وُصف بأنه “مدينة صاروخية” تحت الأرض في العراق. هذه الاستعدادات العلنية والمتواصلة لدعم إيران تثير تساؤلات جوهرية حول توقيت تفعيل طهران لهذه الأذرع، خاصةً في ظل تصاعد الأصوات الدولية والمحلية المطالبة بنزع سلاح هذه الميليشيات وإنهاء دورها على الساحة العراقية.

تحول في استراتيجية طهران الإقليمية؟

يأتي هذا التصعيد في وقت شهد فيه المحور الإيراني خلال العامين الماضيين تراجعاً شبه كامل، طال ذراعه الرئيسي المتمثل بحزب الله اللبناني، وأسفر عن سقوط حليفها نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، ومقتل عشرات من قادة الحرس الثوري الإيراني خلال الصراع الأخير الذي خاضته إيران مع إسرائيل. ومع ذلك، لم تُفعّل طهران وكلاءها في الجماعات المسلحة العراقية بشكل علني إلا مؤخراً.

يرى خبراء ومختصون في الشأن العراقي والإيراني، في تصريحات لـ”الحرة”، أن عدم إشراك الميليشيات العراقية في الصراع السابق كان محاولة لحماية آخر أذرعها في المنطقة من الضربات الأميركية والإسرائيلية. وتعتبر طهران هذه الميليشيات ذات أهمية استراتيجية قصوى لقربها من حدودها.

كما تشير التغييرات التي طرأت على النفوذ الإيراني في المنطقة إلى أن حزب الله اللبناني يتجه نحو دور سياسي أكبر في لبنان على حساب دوره العسكري، مما يطرح تساؤلات حول مدى إمكانية تحول الميليشيات العراقية هذه المرة إلى خط المواجهة الأول لطهران.

العراق: ورقة استراتيجية أم ساحة للصراع؟

يعتبر الخبير الاستراتيجي العراقي، علاء النشوع، أن العراق يمثل إحدى أبرز العُقد الاستراتيجية الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية التي يمكن أن تلعب دوراً محورياً في أي مواجهة مع واشنطن. ويضيف النشوع لـ”الحرة” أن “إيران تنظر إلى الساحة العراقية كجزء من أمنها القومي، لما تتمتع به من نفوذ سياسي وأمني يسيطر على مقدرات الدولة، وموقع جيواستراتيجي مهم يمكن له أن يغير من بعض المعادلات العسكرية والأمنية في المنطقة”.

ويوضح النشوع أن إيران تمتلك “العديد من المحطات والمراكز التابعة للحرس الثوري وجهاز الاطلاعات في معظم المحافظات العراقية”، بالإضافة إلى الجهد العسكري المتمثل بالفصائل المسلحة المزودة بالأسلحة والمعدات الإيرانية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بأنواعها المختلفة. ويعتقد النشوع أن هذا النفوذ السياسي والعسكري والاستخباري في العراق يمكّن إيران من إدارة معركة إقليمية كبيرة ومؤثرة ضد دول الخليج وإسرائيل، فضلاً عن استهداف القواعد الأميركية القريبة، وبالتالي فتح جبهة جديدة لتخفيف الضغط عليها في حال تعرضها لهجمات أميركية مباشرة.

ويحذر النشوع من أن تفعيل دور الفصائل العراقية الموالية لإيران في الوقت الراهن من شأنه أن يضع العراق في زاوية حرجة، ويجعله ذريعة بيد الإيرانيين لاستخدامه عند حدوث أي مواجهة مع واشنطن.

تباين المواقف وتداعيات التصعيد

لا تتوفر أرقام دقيقة حول العدد الفعلي للميليشيات المتحالفة مع إيران في العراق، لكن بعض التقديرات تشير إلى وجود ما يقرب من 70 فصيلاً منضوياً تحت مظلة الحشد الشعبي، والكثير منها مرتبط بطهران. وقد شاركت غالبية هذه الفصائل في الحرب الأهلية السورية ضمن صفوف الميليشيات الإيرانية. كما أعلنت هذه الميليشيات، تحت مسمى “المقاومة الإسلامية في العراق”، مساندتها لحزب الله اللبناني وشنت هجمات صاروخية على أهداف داخل إسرائيل خلال عامي 2023 و2024، قبل إعلانها إيقاف الهجمات مؤقتاً نهاية عام 2024.

وفي حين أعلنت عدد من الميليشيات الرئيسية دعمها لإيران في أي مواجهة محتملة، انقسمت الميليشيات الأخرى بين من التزم الصمت، ومن اقتصر موقفه على إصدار بيانات الدعم والتأييد. يعلق الباحث في الشأن السياسي العراقي، رافد العطواني، لـ”الحرة” قائلاً: “ما شهدناه من تغيير مواقف بعض القوى العراقية المسلحة واختيارها عدم المواجهة، يشير إلى أن الجميع لا يقوى على مواجهة الولايات المتحدة، لأن الموضوع خطير جداً، وهذه المرة واشنطن والدول المتحالفة معها جادون بإنهاء ملف الجماعات المسلحة خارج سيطرة الدول”.

رؤى الخبراء: استراتيجية فاشلة وتصعيد خطير

يشير مختصون في الشأن الإيراني وقيادات في المعارضة الإيرانية، تحدثوا لـ”الحرة”، إلى أن النظام الحاكم في إيران لم يتوقف منذ سيطرته على السلطة عام 1979 عن إنشاء فصائل ومجموعات مسلحة تابعة له في دول المنطقة، بهدف خوض الحروب الخارجية نيابة عن النظام لحمايته من السقوط وإبعاد الصراعات عن الداخل الإيراني.

من جانبه، يعتبر الخبير الاستراتيجي الدولي، عامر السبايلة، أن استراتيجية إيران لنقل الحرب هي استراتيجية فاشلة. ويوضح السبايلة لـ”الحرة” أن “فكرة نقل الأزمة إلى داخل إسرائيل وإحاطة إسرائيل بوكلاء إيران بمشروع وحدة الساحات انتهى فعلياً، كل الساحات الموازية لإسرائيل تم احتواؤها، أما الساحات البعيدة من إسرائيل فوجهت لها ضربات في اليمن، وبالتالي أصبحت جبهة العراق الآن الجبهة الوحيدة في هذه المواجهة”.

ويرى السبايلة أن إيران لا تستطيع التعويل على فكرة نقل المواجهة إلى العراق، لأن المواجهة في النهاية ستُفرض عليها وعلى داخلها، معتبراً أن تفعيل جبهة العراق لا يعني منع استهداف إيران. ويضيف السبايلة أن “إيران تعلم أن المواجهة القادمة هي النهائية، لذلك تفعيلها للجبهة العراقية هو آخر ما تملك للتلويح به، ومن هنا تأتي فكرة أنه لا بد لها من استخدامها ولا بد لها من الإشارة إلى أن هناك قوات وقدرات وترسانة سلاح يمكن أن تستخدم في هذه المواجهة”.

ويحذر السبايلة من أن أي خطوة عسكرية تقوم بها الفصائل العراقية لصالح إيران تعني تعريض العراق لاستهداف مباشر من قبل الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الحشد الحالي للقوة الأميركية في المنطقة يتجاوز فكرة إيران فقط، بل يلوح إلى ترتيب ملف المنطقة بشكل كامل. ووفقاً للسبايلة، لم يتبق لإيران من أذرعها المتكاملة سوى جبهتين: العراق واليمن، وبالتالي فإن أي تحرك للأذرع الإيرانية داخل العراق يرشح العراق نفسه ليكون محطة للاستهداف المباشر.

الموقف الرسمي العراقي

لا تتطابق مواقف الميليشيات العراقية، التي ينضوي معظمها في هيئة الحشد الشعبي التابعة للحكومة العراقية، مع مواقف الحكومة والمسؤولين الحكوميين العراقيين، الذين يعلنون التمسك بسياسة النأي عن الصراعات الإقليمية والدولية. وقد شدد رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، خلال مشاركته في جلسة حوارية بملتقى الأمن والسلام في الشرق الأوسط في دهوك في 18 نوفمبر الماضي، على أن “لن يكون العراق ساحة لنفوذ أي دولة ونحترم علاقاتنا مع الدول”.

العراق: مركز ثقل جديد للنفوذ الإيراني؟

يعد طلحة الدوسري، مدير مركز العراق للدراسات الاستشرافية ICFS، أن الساحة العراقية هي الأقل تضرراً بالنسبة لنفوذ إيران في المنطقة بعد التغيرات في سوريا ولبنان. ويوضح الدوسري لـ”الحرة” أن “انتقال أذرع إيران في العراق إلى واجهة الصراع الإقليمي من حيث الأهمية والجهوزية، يفسر رغبة طهران في استعراض أوراقها في المنطقة واستثمارها في مسارات متعددة سواء تتعلق بالمفاوضات أو حتى في سياق حرب محتملة”. ويلفت الدوسري إلى أن طهران تحاول إرسال رسائل عبر مراكز نفوذها الإقليمي، مفادها بأن الجولة القادمة لن تكون كما السابق وإنما بشكل أعقد وعلى مدى مساحات وجبهات متعددة.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *