في خطوة تاريخية تعكس تحولاً جذرياً في مسار العلاقات الإقليمية، دشنت دمشق والرياض رسمياً، في السابع من فبراير 2026، مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي عبر توقيع حزمة من الاتفاقات الثنائية. هذه الاتفاقات، التي وُصفت بأنها ترسي دعائم لشراكة استراتيجية طويلة الأمد، تأتي في سياق انفتاح سعودي متزايد على الساحة السورية بعد التغيرات السياسية الأخيرة.
أبعاد الشراكة الاقتصادية الجديدة
تضمنت الاتفاقات المبرمة مشاريع طموحة ومتنوعة، أبرزها تأسيس شركة طيران مشتركة بين البلدين، وتطوير شامل للبنية التحتية لقطاع الاتصالات. كما شملت الخطط إنشاء مطار دولي جديد في شمال سوريا، وتوسعة وتطوير مطار حلب الدولي لزيادة قدرته الاستيعابية إلى 12 مليون مسافر سنوياً، مما يعكس رؤية استثمارية واسعة النطاق.
وخلال مراسم التوقيع، أكد وزير الاستثمار السعودي السابق، خالد الفالح، الذي أُعفي من منصبه في اليوم ذاته، أن هذه المبادرات تجسد الدعم والتوجيه المستمر من قيادتي البلدين نحو بناء شراكة استراتيجية راسخة. وفي السياق ذاته، تم توقيع اتفاقية لتأسيس مشروع “سيلك لينك” (Silk Link) الهادف إلى تطوير البنية التحتية للاتصالات وتعزيز الربط الرقمي العابر للقارات عبر الأراضي السورية. ويُقدر حجم الاستثمار في هذا المشروع بنحو مليار دولار، على أن يُنفذ على مرحلتين تمتدان بين 18 و48 شهراً، مع بدء التشغيل التدريجي.
إلى جانب ذلك، أُعلن عن إطلاق “صندوق إيلاف السعودي للاستثمار” المخصص لدعم المشروعات الكبرى في سوريا، بمشاركة فاعلة من القطاع الخاص السعودي. وفي تطور لافت، نقلت وكالة رويترز عن مصادر أن شركات أميركية بارزة مثل “بيكر هيوز” و”هنت إنرجي” و”أرجنت” للغاز الطبيعي المسال، تعتزم تشكيل تحالف مع شركتي “أكوا باور” و”طاقة” السعوديتين. ويهدف هذا التحالف إلى استكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرق سوريا، مع خطط لإقامة مشروع طاقة يشمل أربعة إلى خمسة مواقع استكشافية في المنطقة.
حسابات السياسة: ما وراء الاستثمار
يأتي هذا الحضور الاقتصادي السعودي المكثف في سوريا ليتجاوز مفهوم إعادة التطبيع التقليدية، إلى انخراط مباشر في مفاصل حيوية من الدولة السورية. وتبرز تساؤلات حول مدى توفر بيئة آمنة للاستثمار في بلد ما يزال يشهد توترات داخلية وتوغلات إسرائيلية. إلا أن المحللين يرون أن حسابات السياسة تتجاوز هذه التحديات الظاهرة.
في هذا الصدد، يرى الأكاديمي السعودي خالد باطرفي أن سوريا “تمثل ساحة لإعادة التوازن العربي، فخلال سنوات الحرب بقيت الساحة السورية مفتوحة لتنافس محاور إقليمية غير عربية. أما اليوم، فإن المملكة تسعى إلى إعادة دمج سوريا في النظام العربي، بحيث يكون الحضور العربي فيها هو الضامن الأساسي لوحدتها وسيادتها، بدل ترك فراغ تستغله قوى إقليمية متنافسة”.
ولطالما عانت الدول المجاورة من تداعيات الأزمات الأمنية والجريمة المنظمة التي شهدتها سوريا، بما في ذلك نشاط التنظيمات الإرهابية وتهريب السلاح والمخدرات. لهذا، يؤكد باطرفي، في حديث لموقع “الحرة”، أن الاستثمار السعودي في سوريا هو “استثمار في أمن السعودية الإقليمي، إذ أنها من منظور الأمن القومي السعودي ليست ساحة بعيدة”.
من جانبه، يؤكد أسامة القاضي، المستشار الأول لوزارة الصناعة والاقتصاد السورية، في تصريح لـ”الحرة”، أن “سوريا هي الدولة التي قسمت ظهر المشروع الفارسي. ذلك المشروع الذي كان يشكّل تهديداً مباشراً للمملكة العربية السعودية وسائر دول المنطقة، وتسبب بأضرار كبيرة فيها”.
بيئة الاستثمار ومستقبله
على الرغم من أن الاقتصاد السوري قد لا يبدو جاذباً للكثير من المستثمرين في الوقت الراهن، إلا أن باطرفي يشير إلى أن “سوريا انتقلت، خلال العامين الأخيرين، من منطق الحرب والعقوبات إلى منطق إعادة البناء والانفتاح”. ويضيف أن حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية، بما في ذلك الانفتاح على الاستثمارات الخليجية والسعودية، قد بدأت تظهر منذ سقوط النظام.
وقد أتاح رفع العقوبات عن سوريا المجال أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، فيما عملت السلطات الجديدة على تحسين الأوضاع الأمنية وتهيئة الأرضية القانونية الملائمة لذلك. وفي هذا السياق، يوضح القاضي أن العام الماضي شهد إصدار قوانين مهمة، أبرزها قانون الاستثمار رقم 114، الذي يضمن حقوق المستثمرين بشكل كامل ويجرم وضع اليد على أي استثمار أجنبي يدخل البلاد.
ويشدد القاضي على أن “الحكومة بكامل مؤسساتها لديها تعليمات واضحة بتسهيل إجراءات الاستثمار والترخيص ودعم المستثمرين”، مؤكداً وجود بنية قانونية ومؤسساتية تحمي المستثمرين، بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية للاستثمارات في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والزراعة.
وبينما لطالما اشتكى المستثمرون في سوريا خلال العقود الماضية من انتشار الفساد ومضايقات الأجهزة الأمنية وغياب القضاء المستقل، يلفت باطرفي إلى وجود تغيير في هذا الصدد يتمثل في “إعلان الحكومة الحالية التزامها بتحديث تشريعات الاستثمار وتوحيد المرجعية الاقتصادية، ضمن إطار أوسع يرتبط بعودة سوريا إلى محيطها العربي وفتح بوابة إعادة الإعمار”.
في الختام، يؤكد باطرفي أن “اهتمام الرياض بسوريا يتجاوز حسابات الربح والخسارة المالية قصيرة المدى، ليكون رهاناً استراتيجياً على إعادة دمج دولة عربية محورية ضمن منظومة إقليمية أكثر استقراراً، وعلى تحويل مسار بلد خرج من حرب طويلة من الاعتماد على المساعدات إلى الاعتماد على الاستثمار والتنمية المشتركة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق