كشفت منظمة الشفافية الدولية في إصدارها الحادي والثلاثين لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر في 10 فبراير الجاري، عن صورة مقلقة للوضع العالمي. يُظهر التقرير تراجعاً مستمراً في جهود القيادات السياسية لمكافحة الفساد، بالتزامن مع تصاعد احتجاجات “جيل زد” ضد هذه الظاهرة وتجاهل بعض الحكومات للمعايير الدولية. هذا الواقع يشير إلى تفاقم ملحوظ في وتيرة الفساد على مستوى العالم، حتى ضمن الديمقراطيات العريقة التي تواجه تحديات متزايدة في ظل أزمة القيادة.
تدهور مؤشر النزاهة العالمي
أظهرت البيانات الواردة في التقرير السنوي للمنظمة، ومقرها برلين، انخفاضاً حاداً في عدد البلدان التي حققت درجات تتجاوز 80 نقطة، حيث تقلص العدد من 12 بلداً قبل عقد من الزمن إلى خمسة بلدان فقط هذا العام. كما يشير التقرير إلى تراجع مقلق في أداء الأنظمة الديمقراطية، التي كانت تُعرف بصلابتها في مواجهة الفساد مقارنة بالأنظمة الاستبدادية. امتد هذا التدهور ليشمل دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة (64 نقطة)، وكندا (75 نقطة)، والمملكة المتحدة (70 نقطة)، وفرنسا (66 نقطة)، وصولاً إلى السويد التي سجلت 80 نقطة.
قيود على الحريات واحتجاجات الشباب
رصدت المنظمة نمطاً مقلقاً آخر يتمثل في تزايد القيود المفروضة على الحريات الأساسية كحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات. فقد شهد 36 بلداً من أصل 50 بلداً سجلت تراجعات كبيرة في درجات المؤشر منذ عام 2012، تقلصاً واضحاً في الحيز المدني. وشهد عام 2025 موجة من الاحتجاجات المناهضة للفساد، تركزت بشكل خاص في البلدان الواقعة في النصف الأدنى من المؤشر، حيث نزل الشباب في دول مثل نيبال ومدغشقر إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم من إساءة استخدام السلطة وفشل القادة في توفير الخدمات والفرص الاقتصادية.
دعوات ملحة للإصلاح ومحاربة ازدواجية المعايير
حذرت الهيئة الدولية من أن غياب القيادة الجريئة في مكافحة الفساد عالمياً يضعف الجهود الدولية ويعرض الإصلاحات اللازمة للخطر. وأكد فرانسوا فاليريان، رئيس منظمة الشفافية الدولية، أن الفساد ليس قدراً محتوماً، وأن هناك آليات واضحة للمحاسبة تبدأ من العمليات الديمقراطية والرقابة المستقلة وصولاً إلى مجتمع مدني حر. ودعا الحكومات والقادة إلى التحلي بالنزاهة وتحمل مسؤولياتهم لتوفير مستقبل أفضل للشعوب، خاصة في ظل التجاهل الخطير للمعايير الدولية.
شددت المنظمة في تقريرها على ضرورة تجديد القيادة السياسية في مجال مكافحة الفساد من خلال الإنفاذ الكامل للقوانين، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وإجراء إصلاحات تعزز الشفافية والمساءلة. كما أكدت على أهمية حماية الحيز المدني بوقف الاعتداءات على الصحفيين والمنظمات غير الحكومية والمبلغين عن المخالفات، بالإضافة إلى سد الثغرات السرية التي تسمح بانتقال الأموال الفاسدة عبر الحدود، بما في ذلك وضع حد للجهات الوسيطة وضمان الشفافية في الكشف عن الملاك الحقيقيين للشركات والأصول.
ركود أوروبي وتراجع أمريكي
أوضحت نتائج المؤشر أن جهود مكافحة الفساد في العديد من البلدان الأوروبية شهدت ركوداً كبيراً، حيث سجلت 13 دولة في غرب أوروبا والاتحاد الأوروبي تراجعاً ملحوظاً منذ عام 2012. وأشارت إلى أن التوجيه الأوروبي لمكافحة الفساد، الذي تمت الموافقة عليه في ديسمبر 2025، قد تم إضعافه من قبل بعض الدول الأعضاء مثل إيطاليا. كما واصلت الولايات المتحدة مسار تراجعها لتسجل أدنى درجة لها على الإطلاق، وسط مخاوف من الإجراءات التي تستهدف الأصوات المستقلة وتقوض استقلال القضاء وتجمد قوانين الممارسات الأجنبية الفاسدة.
دول ذات درجات عالية وتسهيل غسيل الأموال
نبهت المنظمة إلى أن حصول بعض الدول على درجات عالية في المؤشر لا يعني خلوها التام من الفساد. فدول مثل سويسرا وسنغافورة، رغم درجاتهما المرتفعة، تساهمان في تمكين الفساد في بلدان أخرى من خلال تسهيل غسل العائدات ونقلها عبر الحدود. هذا الجانب، وإن لم يغطيه المؤشر بشكل مباشر، يظل تحت التدقيق بسبب دوره في تسهيل حركة الأموال غير المشروعة.
تضييق على المجتمع المدني وحرية الصحافة
بينت التقارير المرفقة بالمؤشر أن التدخل المسيس في عمليات المنظمات غير الحكومية تصاعد بشكل كبير في دول مثل جورجيا وإندونيسيا وبيرو، حيث استحدثت الحكومات قوانين للحد من التمويل وإضعاف المنظمات الرقابية. وقد اضطرت فروع المنظمة في روسيا وفنزويلا للعمل من المنفى. كما أشارت الإحصائيات المأساوية إلى مقتل 150 صحفياً كانوا يغطون قضايا فساد منذ عام 2012، ووقعت جميع هذه الحالات تقريباً في بلدان تعاني من مستويات عالية من الفساد.
نظرة عامة على مؤشر مدركات الفساد 2025
أفادت البيانات الإحصائية للمؤشر، الذي يصنف 182 بلداً وإقليماً، أن المتوسط العالمي للدرجات بلغ 42 من 100، وهو أدنى مستوى خلال أكثر من عقد. وقد فشلت الغالبية العظمى من الدول في السيطرة على الفساد، حيث حصل أكثر من ثلثيها على درجة أقل من 50. حافظت الدنمارك على الصدارة للعام الثامن على التوالي بـ 89 نقطة، تليها فنلندا وسنغافورة. في المقابل، تذيلت القائمة دول تعاني من عدم الاستقرار مثل جنوب السودان والصومال وفنزويلا. وسجلت دول مثل تركيا والمجر ونيكاراغوا تراجعاً كبيراً يعكس ضعفاً هيكلياً في آليات النزاهة، بينما شهدت دول مثل إستونيا وكوريا الجنوبية وسيشل تحسناً ملحوظاً بفضل رقمنة الخدمات وتعزيز المؤسسات الرقابية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق