في ظل التصعيد المتواصل بين طهران وواشنطن، يبرز تساؤل جوهري حول مدى جاهزية دول الخليج لأي مواجهة محتملة قد تنجم عن تحول التحذيرات المتبادلة إلى صدام مباشر. فبينما تسعى طهران للموازنة بين إظهار الاستعداد العسكري والتلويح بتوسيع نطاق أي مواجهة، لا تغلق واشنطن الباب نهائياً أمام الخيارات العسكرية، مع إبقاء بصيص أمل للدبلوماسية.
موقف إيران: توسيع نطاق المواجهة
يؤكد المسؤولون الإيرانيون على أن بلادهم لن تبادر بالحرب، لكنها لن تسمح بأن تبقى المواجهة محصورة داخل حدودها إذا فُرضت عليها. اللواء عبد الرحيم موسوي، رئيس هيئة الأركان الإيرانية، صرح بأن أي صراع سيمتد إلى ‘المنطقة كلها’ وسيُلحق خسائر جسيمة بمن خطط له أو دعمه. وفي السياق ذاته، رفع أمين عام مجلس الدفاع الإيراني، علي شمخاني، سقف التحذير، معتبراً أن أي هجوم، حتى لو كان محدوداً، سيكون بمثابة إعلان حرب واسعة النطاق تطال إمدادات الطاقة وحياة الشعوب، وهو ما يتماشى مع تصريحات سابقة للمرشد الإيراني علي خامنئي حول انزلاق المنطقة إلى صراع إقليمي.
رد واشنطن: خيارات مفتوحة ودبلوماسية حذرة
من جانبها، لم تستبعد واشنطن الخيار العسكري. الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لوح باتخاذ إجراءات صارمة جداً في حال فشل المحادثات مع طهران، وكشف عن دراسة إرسال حاملة طائرات إضافية إلى الشرق الأوسط. ومع ذلك، حافظ ترامب على نبرة تفاؤل تجاه المسار الدبلوماسي، مشيراً إلى رغبة إيران الشديدة في إبرام اتفاق.
الخليج في قلب العاصفة: نقاط الضعف الاستراتيجية
تجد دول الخليج نفسها في قلب هذا الصراع المحتمل. الهجوم الإيراني الذي استهدف قاعدة العديد في الدوحة خلال حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يوليو الماضي، عزز المخاوف من أن أي تصعيد قد ينعكس مباشرة على البنية التحتية للطاقة والممرات البحرية الحيوية، خاصة مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.
تحليل الخبراء: امتداد الصراع وأهداف إيران
الخبير الأمني والاستراتيجي، خالد إبراهيم الصلال، يرجح امتداد الصراع ليشمل العراق والشام والبحر الأحمر ومضيق هرمز وإسرائيل، بالإضافة إلى كافة الساحات التي تضم قواعد أمريكية وحلفاء لواشنطن وخطوط طاقة وممرات بحرية حساسة. ويرى الصلال أن إيران تنظر إلى دول الخليج من زاويتين أساسيتين: الوجود العسكري الأمريكي (قواعد، تسهيلات، دفاع جوي) والموقع الجغرافي الحساس المرتبط بالطاقة والقرب من مضيق هرمز وباب المندب. استخدام مصطلح ‘المنطقة كلها’ يهدف، بحسب الصلال، إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وممارسة ضغط غير مباشر على دول الخليج لتجنب الانخراط في أي تصعيد.
من جانبه، يقدم العميد المتقاعد والمحلل العسكري، أحمد الشهري، قراءة عملياتية، موضحاً أن الخطاب الإيراني لا يعني استهداف جميع الدول عشوائياً، بل يشير إلى أن أي نقطة تُستخدم عسكرياً ضد إيران قد تتحول إلى هدف. وبتقديره، ستكون القواعد الأمريكية الرئيسية، مثل قاعدة العديد في قطر ومقر الأسطول الخامس في البحرين، ضمن بنك الأهداف في حال نشوب مواجهة. ويضيف الشهري أن الدول التي لا تستضيف قواعد أمريكية قتالية، كالسعودية، قد لا تكون أهدافاً مباشرة، لكنها ستتأثر حتماً باضطراب الملاحة وأسواق الطاقة. ويؤكد أن مستوى الانكشاف يختلف من دولة لأخرى بناءً على طبيعة الوجود العسكري الأجنبي فيها.
الجاهزية الخليجية: دفاعات متعددة وإدارة للمخاطر
عن الجاهزية الخليجية، يشير الشهري إلى أن دول المنطقة استثمرت على مدى العقود الماضية في أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، تشمل منظومات باتريوت وثاد ورادارات إنذار مبكر، بالإضافة إلى تطوير قدرات الحرب الإلكترونية. الهدف هو منع الشلل الكامل وضمان استمرارية عمل المؤسسات الحيوية حتى في حال تعرضها لضربة أولى. ويقر بأن أي نظام دفاعي لا يمكنه اعتراض جميع الصواريخ أو الطائرات المسيرة، مؤكداً أن إدارة الخسائر جزء لا يتجزأ من أي استراتيجية دفاعية واقعية.
طبيعة التهديد الإيراني: ضربات محسوبة ومحدودة
يرى الشهري أن التهديد الإيراني سيكون انتقائياً ومحسوباً، وليس تدميرياً شاملاً، مع تركيز على أهداف عسكرية ذات قيمة عالية، خاصة القواعد الأمريكية ومراكز القيادة والمدارج ومخازن الدعم اللوجستي، إضافة إلى القطع البحرية ومرافقها. يتوقع أن تكون الضربة على شكل موجات دقيقة ومحدودة باستخدام صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وصواريخ كروز منخفضة التحليق، ومسيرات انتحارية للتشويش واستنزاف الدفاعات، بهدف التعطيل المؤقت وإرباك القيادة. ويضيف أن الضرر سيكون عسكرياً موضعياً ومحدوداً جغرافياً، مع اضطراب اقتصادي مؤقت في الملاحة والتأمين وأسواق الطاقة، لكنه قابل للاحتواء في ظل ضغط دولي يمنع توسع الحرب.
السيناريوهات المحتملة والتنسيق الإقليمي
يتفق الصلال مع هذا التقييم، واصفاً الجاهزية الخليجية بأنها دفاعية بالأساس وتركز على تقليل الأضرار. ويشير إلى أن إيران تعتمد مجموعة أدوات تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والتهديدات البحرية والحرب السيبرانية، إضافة إلى العمل عبر حلفاء إقليميين لتخفيف كلفة المواجهة المباشرة. وبحسب تقديره، سيبقى قطاع الطاقة الأكثر حساسية، حيث إن تعطيل منشأة واحدة قد يؤثر في الأسواق العالمية. كما أن الموانئ والملاحة والبنية التحتية للكهرباء والمياه تمثل نقاطاً يمكن أن تتأثر بأي تصعيد. ويرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تصعيد محدود ومدروس، عبر مسيرات أو وكلاء، يهدف إلى توجيه رسالة ردع من دون الانزلاق إلى حرب شاملة، معتبراً المواجهة المفتوحة خياراً عالي الكلفة لجميع الأطراف.
على المستوى الخليجي، يشير الصلال إلى وجود تنسيق دفاعي متزايد، سواء عبر أطر جماعية أو تفاهمات ثنائية. ويقول إن الهدف المشترك يتمثل في حماية المنشآت الحيوية ومنع تعطيل الملاحة والطاقة. ويضيف أن دول المجلس تركز على امتصاص أي ضربة محتملة والرد ضمن إطار دفاعي لتجنب توسع الصراع.
خلاصة
في المحصلة، تسعى إيران إلى رفع كلفة أي هجوم محتمل عبر التلويح بتوسيع نطاقه، فيما تستخدم الولايات المتحدة أدواتها العسكرية والدبلوماسية لزيادة الضغط. وبين الطرفين، تبقى دول الخليج في موقع المتأثر المباشر بأي تصعيد، حتى وإن لم تكن طرفاً في القرار.
الحرة سكينة المشيخص كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق