صورة مقربة لشجرة أركان متضررة أو غابة أركان تعاني من النفوق في الجنوب المغربي.
الجالية

أزمة شجرة الأركان بالمغرب: نفوق متزايد يثير القلق ويتجاوز تفسيرات الجفاف

حصة
حصة
Pinterest Hidden

يعود ملف شجرة الأركان، هذا الموروث الطبيعي الفريد، ليطفو على السطح مجدداً، بعد أن دقت بشأنه أجراس الإنذار في مناسبات عديدة. فبينما كان البعض يربط تدهور غابات الأركان بتوالي سنوات الجفاف التي شهدتها المنطقة، معولاً على أن تحسن التساقطات المطرية كفيل بإعادة التوازن البيئي، إلا أن الواقع الميداني، حتى بعد الأمطار الأخيرة التي أعادت شيئاً من الحيوية للأرض، يكشف استمرار الظاهرة وتفاقمها بشكل يدعو للقلق.

تفاقم الظاهرة: النفوق يتجاوز تفسيرات الجفاف

تشهد غابات الأركان الممتدة بين مدينتي أكادير وكلميم تزايداً مقلقاً في حالات نفوق الأشجار، لدرجة أن عدد الأشجار الميتة بات يفوق نظيراتها الصامدة في العديد من المواقع. لم يعد الأمر مقتصراً على حالات معزولة أو ظرفية، بل تحول إلى مشهد غابوي يتغير بوضوح، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذا الكنز الطبيعي الذي يميز المغرب.

ورغم التساقطات المطرية الأخيرة، التي كانت محط آمال كبيرة لإعادة التوازن ومنح الغطاء الشجري نفساً جديداً، فإن مساحات واسعة لا تزال تشهد استمرار مظاهر الذبول والموت التدريجي. هذا الواقع يضعف فرضية ربط الظاهرة بعامل الجفاف وحده، ويدعو إلى قراءة علمية أعمق للأسباب الكامنة وراء هذا التراجع المستمر.

اختلال بيئي متعدد الأبعاد

عوامل تتجاوز المناخ

لا شك أن سنوات الجفاف المتتالية أضعفت المنظومة البيئية وجعلتها أكثر هشاشة، إلا أن استمرار نفوق الأشجار حتى بعد تحسن الظروف المناخية يشير إلى وجود اختلالات بنيوية أعمق. قد تكون أنماط الاستغلال غير المستدامة، والضغط الرعوي المتزايد، وتراجع العناية الغابوية، عوامل متداخلة ساهمت في إنهاك هذا النظام البيئي الحساس.

فرضية الأمراض والآفات

يُطرح تزايد حالات النفوق أيضاً احتمال تعرض الأشجار لإصابات مرضية أو لآفات بيولوجية، سواء كانت عدوى فطرية، أو طفيليات حشرية، أو اختلالات في التربة والبنية الجذرية. هذا الاحتمال، الذي يتطلب إثباتاً علمياً، يستدعي تعبئة خبراء الغابات والباحثين المختصين لإجراء تشخيص ميداني دقيق وتحاليل مخبرية معمقة لتحديد طبيعة الأسباب الحقيقية قبل استفحال الوضع.

الأركان: دعامة بيئية مهددة

تُعد شجرة الأركان دعامة أساسية للتوازن البيئي في المناطق شبه القاحلة؛ فهي تساهم بفعالية في تثبيت التربة، والحد من زحف التصحر، والحفاظ على التنوع البيولوجي. وبالتالي، فإن تراجع كثافتها يهدد بتسارع تدهور الأراضي، ويُضعف قدرة المجال على مواجهة التقلبات المناخية المستقبلية، مما يؤثر على النظام البيئي بأكمله.

تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة

لا تتوقف تداعيات هذا الوضع عند حدود البيئة فحسب، بل تمتد لتشمل النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة. فآلاف الأسر، إلى جانب عدد كبير من التعاونيات النسوية، تعتمد بشكل كبير على إنتاج وتسويق زيت الأركان كمصدر رئيسي للدخل. وأي تراجع في عدد الأشجار المنتجة ينعكس مباشرة على المردودية، ويهدد استقرار منظومة اقتصادية محلية بُنيت على استدامة هذه الشجرة المباركة.

كما أن استمرار هذا التدهور قد يؤثر سلباً على سلاسل الإنتاج والتصدير، ويُضعف دينامية قطاع يُعد من أبرز قصص النجاح التنموي في الجنوب المغربي، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً للحفاظ على هذه الثروة الاقتصادية.

رمز للهوية ورهان استراتيجي

لا يمكن تناول هذا الموضوع بمعزل عن البعد الرمزي والوطني لشجرة الأركان. فهي ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي رمز من رموز الهوية الوطنية المغربية، ورافد من روافد الإشعاع البيئي والثقافي للمملكة. وقد أضحت الأركان علامة مميزة للمغرب على الصعيد الدولي، بما تمثله من خصوصية بيئية وقيمة اقتصادية فريدة.

ويكفي للدلالة على أهميتها أن عدداً من الدول يتطلع إلى استنباتها والاستفادة من خصائصها، وهو ما يعكس المكانة الاستراتيجية لهذه الشجرة، ويؤكد أن الحفاظ عليها ليس شأناً محلياً فحسب، بل رهاناً وطنياً بامتياز يتطلب تضافر الجهود.

دعوة لتدخل عاجل ومقاربة شاملة

أمام هذا الواقع المقلق، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك ميداني عاجل يرتكز على تشخيص علمي دقيق للأسباب الحقيقية وراء تزايد حالات النفوق، بعيداً عن التفسيرات التبسيطية. كما يتطلب الوضع تعزيز المراقبة الغابوية، وضبط أنماط الاستغلال، والحد من الرعي الجائر، ودعم برامج إعادة التأهيل والتجديد الغابوي.

ولا يمكن لأي مقاربة أن تنجح دون إشراك فعلي للباحثين المتخصصين، والسلطات المعنية، والمنتخبين، والساكنة المحلية، في إطار برنامج جهوي متكامل يهدف إلى حماية غابة الأركان وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

إن ما يجري اليوم بين أكادير وكلميم ليس تراجعاً عابراً، بل مؤشر يستدعي اليقظة والتحرك الاستباقي. فغابة الأركان تمثل إرثاً بيئياً، ورأسمالاً اقتصادياً، ورمزاً وطنياً؛ وأي إخلال بتوازنها ستكون كلفته مضاعفة. إن الحفاظ عليها مسؤولية جماعية، لأنها جزء لا يتجزأ من هوية الوطن ومستقبل أجياله.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *