في أعقاب رحيل الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، تشهد الساحة السورية تحولات عميقة، تضع مصير الأقليات في صلب التحديات الراهنة. ففي محافظة السويداء الجنوبية، أسفرت اشتباكات عنيفة بين فصائل درزية وقوات تابعة للحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع عن مقتل ما يقرب من 2000 شخص، وسط تقارير حقوقية عن انتهاكات واسعة النطاق شملت التعذيب والاغتصاب والاختطاف.
وقد اتهم قادة الدروز، الذين يمثلون نحو 700 ألف سوري وتستمد ممارساتهم التوحيدية من الإسلام الشيعي دون اعتبار أنفسهم مسلمين، سلطات الشرع بإقامة حكومة على غرار “تنظيم الدولة الإسلامية”، معادية للأقليات. وفي خضم هذه التطورات، يبرز وضع مسيحيي سوريا، الذين يقدر عددهم بـ 500 ألف نسمة (منهم حوالي 30 ألفاً في السويداء)، والذين نجوا إلى حد كبير من الاستهداف المباشر، لكنهم يلتزمون الصمت في الغالب تجاه إراقة الدماء.
مسيحيو سوريا: حماية سياسية وصمتٌ حذر
يشير روجر أصفر، وهو مسيحي من حلب ومتخصص في العلاقات الإسلامية المسيحية، إلى أن الحماية التي يحظى بها المسيحيون ليست لأسباب دينية أو طائفية، بل لدوافع سياسية بحتة. فخلافاً للأقليات الأخرى، لم يطالب القادة المسيحيون بعد بدور في الحكم المستقبلي للبلاد. ومع ذلك، يظل القلق بشأن القيود المحتملة على الحريات الدينية للأقليات حاضراً بقوة، مما يجعل المسيحيين في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم، فهم “لا يعرفون ما إذا كان الرهان على النظام الجديد سيكون رابحاً أم خاسراً”.
إن القرارات التي سيتخذها قادتهم بشأن كيفية المشاركة في مجتمع ما بعد الأسد قد تكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل البلاد بأكملها، خاصة مع سعي الحكومة الجديدة لترسيخ سلطتها بعد عقود من حكم العائلة الواحدة.
إرث الماضي: عقد ضمني وحماية مشروطة
هاجر أكثر من 75% من مسيحيي سوريا من البلاد عقب اندلاع الانتفاضة ضد نظام بشار الأسد في مارس 2011 وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية. وكان المسيحيون يتمتعون سابقاً بـ “امتيازات” معينة – وهي في جوهرها حقوق أساسية – بموجب ترتيب ضمني يقايض حقوقهم السياسية بالحرية الدينية. فمن خلال ممارسة الحياد المدروس، لم يعارض معظم المسيحيين حكم الأسد علانية مقابل السماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
وقد صور نظام الأسد نفسه كحامٍ للأقليات منذ عام 1970، عندما استولى حافظ الأسد على السلطة. وقد ورث بشار الرئاسة عام 2000 واستمر في هذه السياسة حتى انهيار نظامه. ينتمي الأسد وعائلته إلى الطائفة العلوية، وهي أقلية شيعية في بلد ذي أغلبية سنية ساحقة، وقد قاموا بتهميش السنة بشكل منهجي خلال حكمهم الذي امتد لخمسة عقود. كما تعرضت أقليات دينية أخرى، كالدروز والمسيحيين والإسماعيليين، بالإضافة إلى الأقليات العرقية كالأكراد، لموجات من القمع، لكنهم حافظوا على استقرار نسبي طالما لم يشكلوا تهديداً سياسياً أو أمنياً للنظام.
تحديات العقد الجديد ومخاوف “الذمية”
الآن، تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي يوصف بالجهادي السابق، يجد المسيحيون أنفسهم أمام ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد. وبسبب اهتمام الغرب بمصيرهم، قد يلعب المسيحيون دوراً فريداً في هذه المرحلة. ويؤكد أصفر أن الخوف من رد الفعل الغربي قد ساعد حتى الآن في منع مواجهة دموية أوسع.
مع استعادة الأغلبية السنية لسلطتها تحت قيادة رئيس إسلامي، تم توثيق مجازر ضد العلويين والدروز. كما اشتبكت القوات الحكومية مع الأكراد في الشمال الشرقي، ووقعت هجمات متفرقة استهدفت المسيحيين وكنائسهم في السويداء وأماكن أخرى. يبدو أن المسيحيين يعودون إلى وضعهم التقليدي كـ “رعايا” تحت حكم استبدادي، وهو وضع يعود تاريخه إلى الإمبراطورية العثمانية. ويعيد الشرع إنتاج هذا النوع من العلاقة، حيث يتعامل مع المسيحيين من خلال قادتهم الدينيين، مما يسمح لحكومته بإظهار صورة تعددية نسبياً مع ضمان بقائهم خاملين سياسياً.
أصوات معارضة وصراع على التمثيل
لم يصمت جميع القادة المسيحيين تجاه العنف ضد الدروز. ففي حالة نادرة، كان الأب طوني البطرس، كاهن كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك في بلدة شهبا بالسويداء، صريحاً في إدانته، واحتضنت كنيسته مدنيين دروزاً باحثين عن ملجأ. وصرح البطرس: “لقد عشنا لأجيال جنباً إلى جنب مع الدروز في وئام واحترام متبادل وسلام، قائم على المواطنة المشتركة واحترام التنوع الديني”.
ويرى البطرس أن صمت المسيحيين الآخرين قد يكون مدفوعاً بالرغبة في الحفاظ على الذات، معتقدين أن “الحكمة تكمن في عدم قول أي شيء حتى لا يتضرر المسيحيون”. لكن هذا الصمت “الحكيم” هو اعتراف ضمني بافتقارهم للقدرة على التأثير في ظل الحكومة الجديدة، واستمرار لنموذج قديم يعتمد على وساطة رجال الدين كحماية أساسية لهم. ويشير أصفر إلى أن العديد من كبار رجال الدين المسيحيين يروجون بنشاط لهذه العلاقة لأنها “تعزز دورهم وتجدد احتكارهم للتحدث باسم المسيحيين بدلاً من السماح ببروز أصوات مدنية أخرى”.
مستقبل غامض بين المواطنة والوصاية
إن واقع المسيحيين الحالي يشبه بشكل متزايد مفهوم “الذمية” الذي كان سائداً في فترات سابقة من الحكم الإسلامي، حيث كان المسيحيون واليهود يمنحون الحماية مقابل الخضوع لسلطات وقوانين الدولة الإسلامية، مع منح حرية العبادة مقابل دفع ضريبة تسمى “الجزية”. وتنبع اشتباكات الحكومة مع المجتمعات الأخرى، بما في ذلك الدروز في الجنوب والأكراد في الشمال الشرقي، إلى حد كبير من رفض تلك الجماعات الجوهري لمثل هذا العقد، فهم يرفضون أن يكونوا مجرد “رعايا”، ويطالبون بالحق في المشاركة في صنع القرار السياسي كمواطنين بدلاً من ذلك.
وبينما يخاطر مسيحيو سوريا بـ”خيانة” التعاليم الأخلاقية الأساسية لإيمانهم المسيحي من خلال قبول وضع “الذمة”، يبقى أن نرى ما إذا كان النموذج الذي تأمل به الحكومة سيوفر مساراً مستداماً للسلطات السورية الجديدة أم أنه مجرد هدنة هشّة ومؤقتة في مسار طويل من التحديات.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق