في خطوة تحمل دلالات سياسية أعمق من مجرد إجراء إداري، ألغت الجزائر مؤخرًا اتفاقية النقل الجوي مع دولة الإمارات العربية المتحدة. جاء هذا القرار، الذي أُعلن السبت الماضي، عقب أيام قليلة من تصريحات حادة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عبر التلفزيون الرسمي، حيث تحدث عن خلاف مع ما أسماه “دولة أو دويلة” تسعى للعبث باستقرار بلاده، محذرًا: “لا تجعلونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه”.
توضيحات جزائرية وتمييز إقليمي
لم يترك الرئيس تبون مجالاً كبيراً للالتباس في الجزائر حول هوية الدولة المقصودة. وفي ذات المقابلة، حرص على التأكيد على متانة العلاقات مع المملكة العربية السعودية، واصفًا إياها بأنها “أكثر من قوية” ومضيفًا: “ما يمسهم يمسنا”. هذه التصريحات تأتي في سياق يدرك فيه المراقبون حجم التباين بين الرياض وأبوظبي في عدد من الملفات الإقليمية، أبرزها الأزمة اليمنية.
امتداد الصراعات الخليجية إلى شمال إفريقيا
لم يولد التوتر بين الجزائر وأبوظبي في هذا الشهر، بل خرج الآن إلى العلن، وبات يتجاوز مجرد خلاف بين عاصمتين. فبعد أن شهدت السنوات الماضية بروز منافسات خليجية في اليمن ثم السودان، تتجه خطوط التماس اليوم نحو منطقة شمال إفريقيا والساحل. تعتبر الجزائر هذه المنطقة امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وتتعامل بحساسية عالية مع أي وجود خارجي فيها. في المقابل، وسعت الإمارات حضورها خارج منطقة الخليج، من القرن الإفريقي إلى السودان، وهو تمدد تراه الجزائر يمسها بشكل مباشر. وقد ارتفعت نبرة الخطاب النقدي للإمارات في الجزائر خلال الأشهر القليلة الماضية، وتُرجمت إلى قرارات عملية، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كنا أمام امتداد لصراعات خليجية إلى جغرافيا جديدة.
الرؤية الجزائرية: سيادة ورفض للتدخلات
وفي هذا الصدد، يؤكد الإعلامي الجزائري أحمد حفصي أن الموقف الجزائري من سياسات الإمارات هو موقف سيادي، لا يخضع للتجاذبات أو الإملاءات، ولا لما يسميه “معارك كسر العظام الدائرة في منطقة الخليج والشرق الأوسط”، رغم تشابك الأحداث السياسية والأمنية. ويرى حفصي أن الجزائر كانت سبّاقة في كشف ما تصفه بـ”مناورات ومؤامرات أبوظبي”، وأدانت علنًا “سلوكيات إماراتية عدائية” تمس أمنها القومي وشؤونها الداخلية. كما يرفض توصيف ما يجري كامتداد لصراع نفوذ من الخليج إلى شمال إفريقيا، معتبرًا أن أسباب الصدام بين البلدين مختلفة في طبيعتها وسياقها. ووفقًا لحفصي، فإن التوتر القائم بين الإمارات وعدد من العواصم العربية يُنظر إليه في الجزائر كدليل على صحة تحذيراتها السابقة من سياسات إقليمية تراها عدائية.
مسار تصاعد الخلافات: من الخفاء إلى العلن
لم تتجه العلاقات بين الجزائر والإمارات نحو مستوى التوتر الحالي بشكل مفاجئ، بل جاءت نتيجة مسار متدرج من الخلافات التي تصاعدت على مراحل قبل أن تخرج إلى العلن في شكل مواجهات سياسية وإعلامية وقرارات رسمية مباشرة. هذا المسار التصاعدي انتهى بوضع العلاقات الثنائية في مأزق غير مسبوق، مع تبادل اتهامات علنية واحتدام الخلاف حول التوجهات والسياسات.
ويشير أحمد حفصي إلى أن جذور هذا التوتر تعود إلى عام 2019 خلال الانتخابات الرئاسية الجزائرية، حين برزت اتهامات موجهة لأبوظبي بمحاولة التأثير في العملية الانتخابية ودعم أحد منافسي الرئيس عبد المجيد تبون. وهو ما عاد تبون نفسه لتأكيده لاحقًا بالحديث عن محاولات تدخل طالت استحقاقي 2019 و2024. وقد بقي الخلاف، في بداياته، ضمن إطار غير معلن، قبل أن يخرج إلى الواجهة في سبتمبر 2020 عندما انتقدت الجزائر اتفاقات أبراهام ووصفت التطبيع مع إسرائيل بـ”الهرولة”. حينها، هاجم مقربون من سلطات الإمارات الجزائر ورئيسها. ومع مرور الوقت تعاظم التوتر وأصبح أكثر حدة، سياسيًا وإعلاميًا. ففي سبتمبر 2023، تحدث تبون عن قيام “دولة شقيقة” بضخ أموال لإثارة الفتن في عدد من الدول، واتهمت تقارير إعلامية، بعد ذلك، الإمارات بالسعي لمحاصرة الجزائر إقليميًا، والإضرار بعلاقاتها مع دول الساحل، إضافة إلى دعم المغرب بوسائل تجسس، وفقًا لحفصي.
محاولات التهدئة ونقطة اللاعودة
يؤكد حفصي أن التطورات الأخيرة بين الجزائر وأبوظبي لا تنفصل عن الموقف الرسمي الجزائري الذي عبّر عنه الرئيس عبد المجيد تبون بوضوح. ويشير إلى أن الجزائر طرحت مرارًا فرصًا للتهدئة عبر قنوات مباشرة وأطراف ثالثة، بل حاولت لعب دور الوسيط، بما في ذلك خلال لقاء تبون بمحمد بن زايد، رئيس الإمارات، على هامش قمة السبع في إيطاليا. وقد حملت الرسائل الجزائرية حينها تحذيرات من التصعيد إذا استمرت ما تصفه بـ”المناورات الإماراتية”. ويخلص حفصي إلى أن ما تلا ذلك عكس، من منظور الجزائر، تجاوزًا للخطوط الحمراء، ما أدخل العلاقات مرحلة شديدة الحساسية، وسط قناعة لدى صانع القرار بأن العلاقات بلغت نقطة اللاعودة، في ظل اعتبار أبوظبي دولة تؤدي أدوارًا بالوكالة في ملفات إقليمية.
الرد الإماراتي ووجهة نظر أبوظبي
في المقابل، جاءت ردة الفعل الإماراتية على إلغاء الجزائر لاتفاقية النقل الجوي هادئة، عبر بيان للهيئة العامة للطيران المدني أكد أن الإخطار يندرج ضمن الآليات القانونية للاتفاقيات الثنائية والدولية، ولا يترتب عليه أثر فوري على الرحلات بين البلدين. وأوضح البيان أن الاتفاقية تظل سارية خلال المهلة المحددة، وأن العمليات مستمرة بشكل طبيعي، مع استمرار التنسيق عبر القنوات الرسمية وفق الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة.
ويرى الكاتب الإماراتي عبد العزيز المعمري أن التوتر يعكس سوء فهم لدور الإمارات الإقليمي، مؤكدًا أنها تتحرك بمنطق التنمية والشراكات والاستثمار لا الصراع. ويعتبر أن الاحتكاك، إن وُجد، هو اختلاف في الرؤية، بين من يرى الحضور الاقتصادي نفوذًا سياسيًا ومن يراه تعاونًا. ويضيف أن الخلافات طبيعية لكن جرى تضخيمها إعلاميًا.
خاتمة: أدوار إقليمية متنازع عليها
في المحصلة، يبدو أن الخلاف بين الجزائر والإمارات يندرج ضمن سلسلة أدوار إقليمية مثيرة للجدل لعبتها أبوظبي، ولا تزال متهمة بلعبها، سواء في اليمن ومرورًا بالسودان وليبيا وانتهاءً بالقرن الإفريقي. وهي اتهامات تنفيها الإمارات بشكل متكرر، مؤكدة أن سياستها تقوم على الاستقرار والتنمية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق