تحولات داخلية تثير الجدل في حزب الله: إعادة هيكلة أم تموضع استراتيجي؟
لم يعد الحديث عن تغييرات داخلية في حزب الله مجرد همس في الكواليس أو تسريبات عابرة، فالمعطيات المتداولة، سواء من أوساط قيادية أو عبر إعلاميين محسوبين عليه، تشير إلى مرحلة يُعاد فيها ترتيب البيت الداخلي، دون أي إعلان رسمي أو بيان تنظيمي حتى الآن. تأتي هذه التحولات في توقيت لبناني وإقليمي بالغ الحساسية، أعقب حرباً مع إسرائيل، مُني فيها الحزب بخسارة وُصفت بأنها الأقسى منذ تأسيسه، خسارة لم تقتصر تداعياتها على الميدان العسكري، بل كشفت اختراقات عميقة في بنيته الأمنية والتنظيمية، وأحدثت صدمة داخل بيئته الحاضنة، ما دفعه إلى إجراء تغييرات في مواقع حساسة داخله، كما يرى مراقبون. وبانتظار أن تتضح المزيد من معالم هذه التغييرات، فإن الأخيرة تحولت إلى مادة لجدل واسع حول أسبابها وما إذا كانت تشكل تحولاً فعلياً في بنية الحزب وبوابة لإعادة تموضعه في الساحتين اللبنانية والإقليمية، أم أنها مجرد تعديل شكلي يهدف إلى امتصاص تداعيات الهزيمة وكسب الوقت ريثما تتضح معالم المشهد الإقليمي.
نقطة البداية: تغييرات في مواقع حساسة
كانت البداية مع تسريب خبر استقالة وفيق صفا من رئاسة “وحدة الارتباط والتنسيق”، الرجل الذي شكّل لعقود قناة النفوذ الأبرز للحزب داخل المؤسسات الأمنية والقضائية اللبنانية. صحيح أن الحزب سارع، عبر تصريحات نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي، إلى نفي إقصاء صفا، والتأكيد على بقائه ضمن “النواة التنظيمية”، وأن الاستقالة طالت الموقع لا الانتماء، وأنه “سينتقل إلى موقع آخر داخل الحزب”. غير أن مغادرته أحد أكثر المواقع حساسية تعكس، وفق مراقبين، محاولة واضحة لتخفيف الواجهات الصدامية التي راكمت سجلاً مثيراً للجدل، من تهديد المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، إلى كسر قرار رئيس الحكومة نواف سلام بعدم إضاءة صخرة الروشة بصورة أمين عام الحزب السابق حسن نصر الله.
مرحلة انتقالية وإعادة تقييم الأداء
تشير المعلومات المتداولة إلى أن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم يعمل على اتخاذ جملة خطوات تهدف إلى تفادي أخطاء الحزب في المرحلة السابقة، من خلال تشديد ضبط الأداء السياسي والإعلامي والأمني ضمن أطر أكثر تحديداً وانضباطاً. وتأتي هذه التوجهات في ضوء ما أظهرته نتائج الحرب الأخيرة من اختلالات بنيوية في الأداء الأمني والاستخباري، فضلاً عن اتساع الفجوة بين التقدير السياسي والوقائع الميدانية، الأمر الذي فرض مراجعة داخلية لآليات العمل وإدارة القرار. وقد وجد الحزب نفسه، بعد هذه الحرب، مضطراً إلى القبول باتفاق وصفه مراقبون بـ”الاستسلام”، حيث وضع سلاحه على المحك، إذ نص على نزعه من كامل الأراضي اللبنانية تطبيقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1701. وفي هذا السياق، يوضح رئيس تحرير موقع “جنوبية”، الصحفي علي الأمين، أن الأسباب الموضوعية الكامنة خلف إعادة الهيكلة تعود، في المقام الأول، إلى “تغيير ما تبقى من طبقة قيادية كانت حول أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله، بالتوازي مع تعيين أمين عام جديد يسعى إلى تشكيل فريق عمل ينسجم مع رؤيته وأسلوبه”. ويشير الأمين، في حديث لموقع “الحرة”، إلى أن “الأمانة العامة، في عهد حسن نصر الله، كانت مركز القرار والتخطيط والتنفيذ بصلاحيات واسعة ومركزية شديدة، ما يفرض على قاسم إدخال تغييرات في الأشخاص والمواقع والأدوار، في مسار يندرج ضمن التحولات الطبيعية التي ترافق أي انتقال قيادي”.
تيارات متصارعة داخل الحزب
تتقاطع هذه التحولات مع مناخ داخلي ودولي جديد، يتقدمه قرار الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الشرعية، استناداً إلى اتفاق وقف النار مع إسرائيل، والبيان الوزاري، وخطاب قسم رئيس الجمهورية. ويرى المحلل السياسي والصحفي يوسف دياب أن الأسباب الحقيقية لإعادة هيكلة الحزب تعود، في جوهرها، “إلى اعتراف ضمني بالهزيمة في الحرب الأخيرة، وإدراك الحزب أنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالنهج نفسه الذي كان يعتمده قبلها وقبل اغتيال نصر الله”. وبرأي دياب، ما يجري أقرب إلى إعادة تموضع شكلية، إذ بات داخل الحزب تياران واضحان: الأول متشدد، يمثله صفا وما يُعرف بـ”الرؤوس الحامية”، ويدعو إلى التشدد في مواجهة إجراءات الدولة والتحرك في الشارع وصولاً إلى التلويح بحرب أهلية. والثاني أكثر براغماتية، يمثله قاسم وعدد من السياسيين داخل الحزب، من بينهم رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد والوزير السابق محمد فنيش، ويرى أن المرحلة تتطلب مقاربة مختلفة وتجنب مواجهة مع رئاستي الجمهورية والحكومة. ويشير دياب، في حديث لموقع “الحرة”، إلى عامل إضافي يتمثل في أن “موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يعد متناغماً مع الحزب كما في السابق، ما يفسر تشديد قاسم في خطابه الأخير على استمرار التحالف مع حركة أمل”.
تغييرات أمنية وسياسية مرتقبة
لم تقتصر التغييرات داخل حزب الله على “وحدة الارتباط والتنسيق”، بل امتدت، وفق ما يتداول في الأوساط الإعلامية، إلى مفاصل أمنية أخرى، في مقدمها “وحدة الحماية”، حيث تُقرأ هذه الخطوة في سياق تشديد القبضة على البنية الأمنية وإعادة تنظيمها، بعد الخرق الكبير الذي تعرض له الحزب، كما عكسته ولا تزال سلسلة الاغتيالات التي تطال قيادييه وكوادره. كما يجري التداول بسيناريوهات لإعادة ترتيب الهرمية القيادية داخل الحزب، من بينها طرح اسم رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد لتولي منصب نائب الأمين العام، في مقابل انتقال رئاسة الكتلة النيابية إلى النائب حسن فضل الله، مع إسناد دور قيادي إلى فنيش. كما يُتداول عن توجه لتكليف النائب إبراهيم الموسوي الإشراف على المؤسسات الإعلامية التابعة للحزب، في محاولة لمعالجة التباينات التي طبعت الرسائل والمواقف خلال المرحلة الماضية. وفي هذا الإطار، يرى الأمين أن الحزب “لا يزال يعيش حالة إرباك واضحة، ناجمة عن عجزه عن حسم خياراته الاستراتيجية الكبرى”، متسائلاً عما إذا كان حزباً يمتلك سلاحاً أم يتجه إلى التخلي عنه، حركة مقاومة أم حزباً سياسياً مدنياً لبنانياً، وكياناً وطنياً أم سيشكل امتداداً لمشروع إقليمي مرتبط بإيران”.
إعادة هيكلة أم تموضع استراتيجي؟
لا يصدق النائب السابق فارس سعيد أن ما يشهده حزب الله اليوم يندرج في إطار “إعادة هيكلة” عادية أو مجرد تسليم مسؤوليات لقيادات وإقصاء أخرى. وفي منشور له عبر صفحته على منصة “إكس”، يقول “نحن لسنا أمام حزب الخضر في اسكندينافيا، بل أمام أشرس وأكثر الأحزاب خشونة في تاريخ المنطقة”، معتبراً أن ما يجري “حتماً ترسيم لمراكز نفوذ وأجنحة” داخل الحزب. أما فيما يتعلق باحتمال تخلي الحزب عن سلاحه وتحوله إلى حزب سياسي بالكامل، فيستبعد دياب هذا السيناريو، معتبراً أن القرار لا يعود إلى الحزب نفسه، بل إلى طهران. ويشير إلى أن مواقف قاسم، ولا سيما قوله إن الحزب “ليس على الحياد في أي معركة ضد إيران”، تؤكد أن “السلاح سيبقى ورقة إقليمية تُستخدم في إطار الصراع الأوسع”. ويخلص دياب إلى أن اكتمال صورة هذه التحولات “سيظل مؤجلاً إلى حين اتضاح نتائج المواجهة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، لما لهذا الصراع من انعكاسات مباشرة على أدوار القوى المرتبطة به في المنطقة، وفي مقدمها حزب الله”. أما الأمين فيرى أن الحزب يواجه تحدياً وجودياً حقيقياً، “إذ إن التخلي عن السلاح، وفق بنيته الإيديولوجية وطبيعة تأسيسه، يعني عملياً نهاية وجوده”. لكنه، في المقابل، يلفت إلى أن الحزب يقف أيضاً أمام فرصة مفصلية “هل يستطيع التحول إلى حزب سياسي لبناني يلتزم بالدولة ومقتضيات سيادتها، بدل الارتباط بدولة خارجية؟”. حتى الآن، لا يبدو أن الحزب مستعد أو قادر، أو يمتلك الجرأة، وفق الأمين “لإجراء مراجعة نقدية ذاتية شاملة لما جرى خلال حربه الأخيرة مع إسرائيل وما سبقها”، مشدداً على أنه “بين خيار إعادة الهيكلة وخيار إعادة إنتاج نفسه بالآليات ذاتها، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متناقضة، بانتظار لحظة إقليمية فاصلة ستحدد ملامح المرحلة المقبلة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق