لم تكن جولة مسقط الأخيرة، التي جمعت المبعوثين الأميركيين والإيرانيين يوم الجمعة، مجرد محادثات تقنية حول أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، بل كانت في جوهرها محاولة حثيثة لمنع اندلاع صراع إقليمي أوسع. فبينما يركز الخطاب العام على الملف النووي، ترى واشنطن أن التهديد الحقيقي يكمن في الشبكة المسلحة من الوكلاء التي تستخدمها طهران لبسط نفوذها في لبنان والعراق واليمن وعلى حدود إسرائيل.
مسقط: قناة تواصل لمنع المواجهة
أكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية لـ«MBN» أن الهدف من اللقاء كان واضحًا ومباشرًا: “كان الأمر يتعلق بوقف الاندفاع نحو المواجهة. لم تكن هناك أوهام بشأن تحقيق اختراق. الأولوية كانت إبقاء قناة التواصل مفتوحة”. هذا التصريح يعكس إدراكًا أميركيًا بأن القضية تتجاوز بكثير مجرد القيود على التخصيب النووي.
تباين الرؤى: النووي مقابل الوكلاء
تصر واشنطن على أن الخطر الأكبر يتمثل في شبكة وكلاء إيران، وليس في برنامجها النووي وحده. في المقابل، تؤكد طهران أن هذه البنية الإقليمية غير قابلة للمساس، وتعتبرها جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي. وقد أبرزت محادثات مسقط هذا التباين الجوهري، حيث يتفاوض الطرفان عمليًا على نزاعين مختلفين.
وفي هذا السياق، أوضح ريتشارد وايتز، الزميل البارز ومدير مركز التحليل السياسي-العسكري في معهد هدسون، لـ«MBN» أن الرؤية الأميركية ثابتة منذ سنوات. وقال: “هناك سلسلة من العوائق أمام تحسين العلاقات الأميركية-الإيرانية. البرنامج النووي ليس سوى واحد منها. برنامج الصواريخ الإيراني، وتعامل طهران مع شعبها، وصلاتها بالجهات غير الحكومية في مختلف أنحاء المنطقة، كلها لا تزال مصادر قلق رئيسية”.
“محور المقاومة”: عمق استراتيجي لا يقايض
تشكل هذه “الجهات غير الحكومية” ما تسميه إيران “محور المقاومة”، الذي يضم حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى شبكة واسعة من الجماعات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تمتد من سوريا إلى الخليج. تنظر طهران إلى هذه القوى كعمق استراتيجي لا يمكن التخلي عنه أو مقايضته.
ويؤكد وايتز: “هذه الجماعات تمثل في الواقع إحدى الوسائل الأساسية للردع التي تعتقد إيران أنها تملكها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. الحرس الثوري يعتبر حزب الله جزءًا من قوته. ولن يتخلوا عن هذه الجماعات عبر المفاوضات”.
الخطاب الداخلي والجدل الأميركي
داخليًا في إيران، تُبرز وسائل الإعلام الرسمية هذا الخط الأحمر بوضوح. وقد جرى تسويق مسار مسقط على أنه يقتصر على الملف النووي، بهدف كبح التصعيد وتأمين تخفيف للعقوبات، مع استبعاد ملفات الصواريخ والوكلاء الإقليميين. وأشادت المنابر المتشددة بهذا الاستبعاد كدليل على أن طهران أجبرت واشنطن على العودة إلى مسار تفاوضي أضيق، مؤكدة أن التخصيب قابل للمرونة، أما الوكلاء فغير قابلين للنقاش.
أما في الولايات المتحدة، فالجدل أكثر حدّة. يرى شخصيات بارزة مثل وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسِث أن أي تفاهم يقتصر على الملف النووي يترك جوهر التهديد من دون معالجة. في المقابل، يُوصَف آخرون مقرّبون من ستيف ويتكوف بأنهم أكثر استعدادًا لقبول اتفاق محدود الآن، على أن يُرحَّل الصراع حول الوكلاء إلى مرحلة لاحقة. ويواصل الرئيس دونالد ترامب الإشادة بالدبلوماسية، بالتوازي مع تصعيد الضغوط العسكرية.
تغير موازين القوى وحسابات واشنطن
يربط وايتز حسابات واشنطن مباشرة بخسائر إيران في ساحة المعركة. ويقول: “الجيش الإيراني أضعف بكثير مما كان عليه قبل حرب يونيو/حزيران الماضية. إسرائيل دمّرت جزءًا كبيرًا من منظومات الدفاع الجوي الإيرانية. والولايات المتحدة استهدفت مراكز نووية رئيسية لم تُستعَد جاهزيتها بالكامل. كما استهلكت إيران عددًا كبيرًا من صواريخها الباليستية. وهذا يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان مخاطر أقل من حيث الردّ الانتقامي”.
تدرك طهران أن هذا التصور يشكّل خطرًا عليها، لذا تسعى إلى مواجهته بعروض قوة، تشمل استعراضات صاروخية وخطابًا تصعيديًا يتزامن مع المسارات الدبلوماسية. ويصف وايتز ذلك بأنه محاولة إيرانية “لترسيخ صورة مفادها أنها قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بإسرائيل والولايات المتحدة، إن لم يكن بشكل مباشر، فعبر مهاجمة قواعد أميركية أو إثارة التوترات بين شركاء واشنطن في الخليج”.
الدبلوماسية المدعومة بالقوة
عكست تشكيلة الوفد الأميركي إلى مسقط هذا النهج المزدوج: دبلوماسية مدعومة بالقوة. فإلى جانب المفاوضين، حضر كبار القادة العسكريين، بمن فيهم قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم). ويشير وايتز إلى أن ذلك كان مقصودًا: “هذا يعكس رغبة الولايات المتحدة في إظهار أن فشل المفاوضات قد يدفعها إلى اللجوء إلى القوة العسكرية. إنها رسالة تذكير مرئية”.
مستقبل غامض وصراع جوهري
على الرغم من جولات التفاوض، لم تُسفر محادثات مسقط عن أي تغيير في ملف الوكلاء الإقليميين. ويصف وايتز موقف إيران بأنه “غير قابل للتفاوض ما لم يُفرَض قرار من المرشد الأعلى”. وحتى في هذه الحالة، يؤكد، لن تقوم طهران بتفكيك شبكة الوكلاء ضمن صفقة دبلوماسية. ويضيف: “سيتعين التعامل مع هذه الجماعات بشكل منفصل أو احتواؤها. الإيرانيون لن يتخلوا عنها”.
وقد أشار دبلوماسي خليجي لـ«MBN» إلى أن الرهانات كانت مفهومة في كل عاصمة إقليمية، فإغلاق قناة التواصل يعني أن “المرحلة التالية ستكون عسكرية، والجميع سيدفع الثمن”. وحتى الآن، أبقى هذا الضغط الدبلوماسية حيّة، لكن الخلاف الجوهري لا يزال قائمًا. فمن وجهة نظر واشنطن، يشكّل وكلاء إيران جوهر المواجهة. ومن منظور طهران، يمثلون آخر أدوات الردع الفاعلة بعد حرب مكلفة. وكما لخّص وايتز الأمر: “هذه الجماعات هي مصدر قوة إيران. ولن تفرّط فيها”.
لقد اشترت جولة مسقط وقتًا، لكنها لم تلامس جوهر الصراع الذي يغذي التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
المقالة مترجمة من الإنجليزية
أندريس إلفيس
مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال، بخبرة صحفية تمتد لعقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.
هدى البوكيليه
صحفية استقصائية مغربية مقيمة في الولايات المتحدة، حائزة على عدة جوائز دولية. تحمل شهادة ماجستير في الصحافة والإعلام المؤسساتي من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، وإجازة في علوم الاقتصاد من جامعة القاضي عياض بمراكش.
اكتشاف المزيد من الحرة
previous أزمة المالكي تتصاعد وتضع العراق أمام 3 سيناريوهات next سيجدون دائما مسقطا لهم
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق