صورة توضيحية للمحامين المغاربة وهم يعبرون عن وحدتهم وصمودهم في الدفاع عن استقلالية مهنتهم.
المجتمع

صوت المبدأ يعلو: المحامون المغاربة يؤكدون استقلاليتهم في وجه التحديات

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في محطة مفصلية من تاريخ مهنة المحاماة بالمغرب، تجلى إجماع مهني غير مسبوق، حيث اختار المحامون الأوفياء لمبادئ المهنة رفع صوت المبدأ فوق كل اعتبار. لقد كان الامتثال الواسع والمسؤول لقرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، تعبيرًا ناضجًا عن وعي جماعي بأن استقلالية المحاماة ليست مجرد رفاهية مهنية، بل هي ركيزة أساسية لصون العدالة وحماية حقوق وحريات المواطنين.

صمود مهني في وجه التحديات

هذه الوقفة النضالية كشفت عن جوهر أصيل في صلب الجسم المهني، جوهر لا يلين أمام محاولات التقليل من الشأن ولا ينكسر أمام خطابات التثبيط، بل يزداد قوة وصلابة مع تصاعد الضغوط. لم يكن قرار التوقف عن العمل، بما يحمله من تضحيات مادية ومعنوية، قرارًا هيّنًا، لكنه كان خيارًا شجاعًا ومسؤولًا وملحًا، جسّد أسمى معاني الالتزام برسالة المحاماة السامية، تلك الرسالة التي لا تُقاس بالمناصب أو الشعارات العابرة، وإنما بميزان القيم والمبادئ والمواقف المشرفة في أوقات الأزمات والمحن المهنية.

رفض الخطاب السلبي وتأكيد المسار النضالي

بينما يحق للجميع التعبير عن آرائهم، فإن التاريخ لا يغفر المواقف المترددة أو الرمادية في اللحظات الحاسمة. فمهنة المحاماة، على مر العصور، لم تُبنَ يومًا على التردد أو الحسابات الضيقة أو المصالح الآنية الزائلة. بل شُيدت بتضحيات جسيمة لرجال ونساء آمنوا بأن الدفاع عن القضايا العادلة يستلزم أحيانًا دفع أثمان باهظة ونكرانًا للذات منقطع النظير.

من هذا المنطلق، فإن أي خطاب يسعى إلى تسفيه النضال المهني أو التقليل من جدوى الاحتجاج المشروع، لن يكون له أثر سوى تعزيز صواب هذا المسار. لن ينال ذلك من عزيمة المحامين ولا من صمودهم الراسخ، بل سيزيدهم إصرارًا على مواصلة الدفاع عن استقلال مهنتهم وحصانتها، وصولًا إلى تحقيق النصر الذي تفرضه عدالة القضية ومشروعية المطالب.

المحاماة: حارسة الحقوق والحريات عبر التاريخ

لطالما كانت مهنة المحاماة، في مختلف المحطات التاريخية وعبر بقاع العالم، في طليعة المدافعين عن الحقوق والحريات. من معارك التحرر الوطني إلى الدفاع عن المعتقلين السياسيين، وصولًا إلى مناصرة القضايا الاجتماعية والإنسانية الكبرى. هذا الدور لم يأتِ صدفة، بل هو نتاج هوية نضالية متجذرة، تؤطرها المواثيق والعهود الدولية، وفي مقدمتها مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، التي تعتبر استقلالية المحامي وحريته وحصانته ضمانة للمحاكمة العادلة وحقًا للمجتمع بأسره، لا مجرد امتياز فئوي.

مشروع القانون 66.23: سؤال المصير المهني

إن مشروع القانون رقم 66.23، بما أثاره من تخوفات مشروعة داخل الأسرة المهنية، أعاد طرح سؤال جوهري حول مستقبل المحاماة: هل نريد محاماة تابعة ومقيدة، أم محاماة مستقلة وقوية، قادرة على أداء دورها الدستوري في حماية الحقوق وصيانة التوازن داخل منظومة العدالة؟ الإجابة التي قدمها المحامون عمليًا، من خلال التزامهم الجماعي بقرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، هي إجابة واضحة لا لبس فيها: محاماة حرة، مستقلة، ووفية لرسالتها التاريخية.

دعوة إلى التلاحم والتضحية الجماعية

تقتضي هذه المرحلة الدقيقة من الجميع، دون استثناء، استحضار أن المهنة اليوم في أمس الحاجة إلى تضحية جماعية، وإلى التفاف صادق حول المؤسسات المهنية وقراراتها، بعيدًا عن منطق التشكيك والتخاذل والأنانية المقيتة. فالنضال ليس حكرًا على فئة دون أخرى، بل هو مسؤولية مشتركة، ومسار طويل لا يُقاس بنتائجه الآنية، بل بقدرته على حماية مستقبل المهنة وصون كرامتها.

في الختام، يحسن القول للمشككين والمتخاذلين، بل وحتى للعقلاء من أبناء هذا الوطن الغالي، بأن صمود المحامين ليس عنادًا، وأن الاستمرار في النضال ليس مغامرة، بل هو وفاء لقسم مهني عميق: الدفاع عن الحق، مهما كان الثمن. فالتاريخ يقرر قاعدة لا تتغير: “من يملك قضية عادلة، ويصبر عليها، لا بد أن ينتصر.” هكذا علمنا التاريخ، وهكذا علمتنا المحاماة.
الأستاذ خالد الغريص، محام بهيئة أكادير كلميم والعيون.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *