كييف، أوكرانيا – في ظل تصاعد وتيرة الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، تتزايد المخاوف بشأن ارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن البرد القارس، المعروفة محليًا بـ “الوفيات البيضاء”. هذه الهجمات، التي تستهدف بشكل ممنهج شبكات التدفئة والكهرباء، تترك ملايين الأوكرانيين في مواجهة ظروف شتاء قاسية للغاية، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون 10 درجات مئوية تحت الصفر.
شهادات من قلب العاصفة: صمود رغم القصف
في ليلة التاسع من يناير، وبعد يوم واحد من عيد ميلادها السادس عشر، نجت تايرا سلويزارينكو بأعجوبة عندما أصابت طائرة مسيرة روسية مبنى شقتها في شرق كييف. تروي تايرا لـ “الجزيرة” كيف شعرت بالانفجار يهز المبنى بقوة غير معتادة، محطمًا النوافذ والجدران الخارجية للشقق الواقعة فوقها بعدة طوابق. رغم الدمار، أكدت تايرا أنها لم تشعر بالخوف، لكنها أعادت التفكير في قرارها بعدم الانتقال إلى بولندا حيث تقيم عمتها وابنة عمها.
لم تتوقف الهجمات عند هذا الحد؛ فبعد ثلاثين دقيقة، استخدمت القوات الروسية تكتيك “الضربة المزدوجة” بإرسال طائرة مسيرة ثانية إلى نفس الموقع. أسفر الانفجار الخارجي عن مقتل سيرغي سمولياك، مسعف طوارئ يبلغ من العمر 56 عامًا، وإصابة زملائه. تلك الليلة شهدت إطلاق روسيا 242 طائرة مسيرة و36 صاروخًا، بما في ذلك صاروخ “أوريشنيك” الباليستي، الذي يصفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بـ “الشهابي”، لقدرته على الطيران بسرعة 13,000 كيلومتر في الساعة، مما يجعله عصيًا على أنظمة الدفاع الجوي الغربية المتطورة. أسفر الهجوم عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة العشرات، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية للطاقة.
شتاء قاسٍ وتداعيات إنسانية متفاقمة
منذ عام 2022، تسببت عشرات الهجمات المماثلة في حرمان ملايين الأوكرانيين من التدفئة والكهرباء والمياه الجارية. وقد غطى الجليد الكثيف الطرق ونهر دنيبر، خامس أكبر أنهار أوروبا، مع انخفاض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية. حتى المباني الحديثة والمجهزة، مثل مبنى تايرا سلويزارينكو الذي يضم جدرانًا عازلة وألواحًا شمسية، لم تستطع الصمود أمام قسوة الشتاء وانقطاع الخدمات. تضطر تايرا الآن للنوم تحت بطانيتين دافئتين مع أربع طبقات من الجوارب، في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة.
“الوفيات البيضاء” ومخاطر صحية متزايدة
أفادت السلطات الصحية والطوارئ عن ما لا يقل عن 10 “وفيات بيضاء” (وفيات بسبب انخفاض حرارة الجسم) هذا العام في منطقتي تيرنوبيل وريفني وحدهما، وهما منطقتان أقل تضررًا من كييف والمناطق الشرقية والجنوبية القريبة من روسيا. نظرًا لعدم توفر إحصائيات شاملة لهذه الوفيات على مستوى أوكرانيا إلا بعد انتهاء فصل الشتاء، وتشير تقديرات أولية – مع الأخذ في الاعتبار نزوح حوالي 6 ملايين شخص ووجود 6 ملايين آخرين في المناطق التي تحتلها روسيا – إلى أن العدد الإجمالي قد يقترب من 200 وفاة.
تصف التقارير “الوفيات البيضاء” بأنها مأساوية، مع تفاصيل قليلة وأسماء غير مذكورة. على سبيل المثال، توفي رجل يبلغ من العمر 41 عامًا بسبب “انخفاض حرارة الجسم العام” يوم الأحد في بلدة أوستروه بمنطقة ريفني، حسبما ذكرت خدمة الطوارئ الحكومية الأوكرانية. وحذرت منظمة اليونيسف، عبر ممثلها القطري في أوكرانيا، من أن الأطفال معرضون بشكل خاص لخطر البرد، مشيرة إلى أن الرضع يفقدون حرارة الجسم بسرعة ويكونون أكثر عرضة لانخفاض حرارة الجسم وأمراض الجهاز التنفسي التي قد تهدد حياتهم دون تدفئة ورعاية طبية كافية.
لقد أدت حملة روسيا لتجميد أوكرانيا إلى تفاقم العديد من المشاكل الصحية الأخرى هذا الشتاء. تم الإبلاغ عن 18 حالة وفاة على الأقل بسبب أول أكسيد الكربون الناتج عن حرق الأخشاب والفحم في الأماكن المغلقة، إلى جانب مئات حالات قضمة الصقيع وآلاف حالات الالتهاب الرئوي ونزلات البرد الحادة. كما ارتفعت أمراض القلب والأوعية الدموية وتدهورت الصحة العقلية بشكل كبير، حيث يقضي الملايين لياليهم مستيقظين في شقق متجمدة، يسمعون طنين الطائرات المسيرة وصفير الصواريخ وضربات الدفاعات الجوية الثقيلة فوق رؤوسهم.
صراع يومي من أجل الدفء
في منطقة ترويشتشينا شمال كييف، تصف يلينا هودارينكو معاناتها اليومية قائلة: “بدون كهرباء، نحن كمن في تابوت”. تشير إلى طبقة رقيقة من الجليد على أرضية مطبخها بجوار الجدار الخارجي. مبنى شقتها المكون من 12 طابقًا يفتقر إلى التدفئة المركزية منذ منتصف يناير بعد انفجار الأنابيب بسبب الجليد. تعود الكهرباء لساعة أو ساعتين يوميًا، بشكل غير متوقع، وبعد أن علقت في المصعد ثلاث مرات، تفضل هودارينكو صعود الدرج إلى شقتها في الطابق الثامن، متلمسة طريقها في الظلام الجليدي بضوء هاتفها الخافت، وتتبادل التحية مع الجيران.
قلقها الأكبر هو زوجها ميكاييلو، طريح الفراش بعد ثلاث عمليات جراحية. في كل مرة تعود فيها الكهرباء، تسارع لتسخين الماء وصبه في زجاجات بلاستيكية للحفاظ على دفء قدميه تحت خمس بطانيات. تبدو منطقتها مهجورة بعد أن غادر العديد من السكان إلى بيوت أقاربهم وأصدقائهم في الريف، حيث يعتمدون على الحطب والفحم للتدفئة.
دعوات للإخلاء وجهود إغاثية
تأتي هذه الظروف الصعبة في أعقاب دعوة عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، في 22 يناير، حيث أعلن أن 600 ألف شخص قد غادروا المدينة التي يبلغ عدد سكانها 3 ملايين نسمة، وحث الآخرين الذين لديهم “خيارات” للبقاء في الريف على المغادرة أيضًا. وصرح حينها: “أقول لكم بصراحة، الوضع معقد وقد لا يكون هذا هو الوقت الأكثر تعقيدًا”.
في محاولة للتخفيف من معاناة المدنيين، أرسلت بعض الوحدات العسكرية فرقها الطبية والإنقاذية لإقامة خيام عسكرية مزودة بمواقد خشبية بسيطة، حيث ينام العشرات من المدنيين على أسرّة بطابقين. يقول تيموفي، مسعف عسكري من الكتيبة الطبية الخاصة الثانية، متحفظًا على ذكر اسمه الأخير وفقًا للوائح زمن الحرب: “نفعل كل ما بوسعنا للحفاظ على دفء الناس”. كان زملاؤه يقومون بتسخين قدر ضخم من “البلوف”، وهو طبق آسيوي مركزي دسم يتكون من الأرز واللحم والجزر، لتوزيعه مجانًا على المحتاجين.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق