طفلة فلسطينية مصابة تنتظر العلاج في غزة، رمزًا لمعاناة المرضى.
السياسة

غزة تحت الحصار: كيف أصبحت حرية التنقل أداة للسيطرة الإسرائيلية؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

إن حرية التنقل، بموجب القانون الإنساني الدولي، تعد حقًا أساسيًا لا يتجزأ عن حقوق أخرى جوهرية كالحق في الحياة والغذاء والتعليم. إلا أن الواقع في قطاع غزة يختلف جذريًا، حيث تحولت هذه الحرية إلى أداة للسيطرة والعقاب الجماعي، تُدار عبر نظام معقد من إغلاقات الطرق، التصاريح، والمعابر البرية المحروسة.

السيطرة على المعابر: واقع جديد

خلال الحرب على غزة التي بدأت في أكتوبر 2023، تعزز هذا النظام بشكل كامل من خلال التحكم في البوابات: من يُسمح له بالدخول والخروج، متى، وبأي أعداد، وما هي السلع المسموح بها أو الممنوعة. ومع مرور الأشهر، لم يعد الإغلاق مجرد «إجراء أمني» مؤقت، بل أصبح واقعًا يوميًا أعاد تعريف مفهوم البقاء ذاته للفلسطينيين.

معبر رفح: شريان الحياة تحت السيطرة

يُعتبر معبر رفح الحدودي مع مصر، منذ فترة طويلة، المنفذ الوحيد لغزة إلى العالم الخارجي الذي لا يخضع مباشرة للسيطرة الإسرائيلية. لكن عمليًا، أصبح رفح جزءًا من نظام السيطرة ذاته. ففي 7 مايو 2024، أعلنت إسرائيل سيطرتها العملياتية على الجانب الفلسطيني من المعبر، مما أدى فعليًا إلى إغلاق شريان حياة حيوي للمساعدات الإنسانية وعمليات الإجلاء الطبي. في الأسابيع التي تلت ذلك، وثقت وسائل الإعلام كيف تُركت شاحنات المساعدات عالقة، وفسدت الإمدادات الغذائية المخصصة لغزة تحت أشعة الشمس، بينما ظل رفح مغلقًا أو معطلًا بشكل فعال في ذروة الحاجة الإنسانية. بتحويله من نقطة عبور إلى أداة تنظيم جماعي، مارست السلطات الإسرائيلية سيطرة كاملة على الحركة من خلال تحديد الأعداد، قوائم الأسماء، والموافقات المتعددة، مما أثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد الغذائي، المساعدات الإنسانية، الإجلاء الطبي، وحق المدنيين الفلسطينيين في السفر ولم شمل عائلاتهم.

حركة البضائع والأفراد: نظام معقد من التصاريح

بعد إغلاق معبر رفح، فتح الجيش الإسرائيلي بشكل انتقائي نقاطًا بديلة لعبور «السلع الموافق عليها مسبقًا» وأعداد محدودة من المرضى والعاملين في المجال الإنساني. وقد حذرت الأمم المتحدة مرارًا من عدم أمان الوصول إلى عدة معابر بسبب النشاط العسكري الإسرائيلي في غزة. كانت المعابر التي اعتُبرت «عاملة»، والتي تغيرت بمرور الوقت، هي بالأساس كرم أبو سالم (كيرم شالوم) وكيسوفيم. لكن هذا الترتيب لم يسفر عن تدفق مستقر للمساعدات، بل عن نظام متقلب يعتمد على نقاط دخول متغيرة باستمرار بما يتماشى مع التطورات العسكرية.

النزوح الداخلي والتنسيق الإلزامي

في شمال غزة، وبعد الفصل القسري للفلسطينيين عن الجنوب من قبل إسرائيل، وثقت الأمم المتحدة إغلاق الجيش الإسرائيلي للعديد من الطرق والممرات الرئيسية. وهذا يعني أن القيود لم تقتصر على «الدخول إلى غزة» فحسب، بل امتدت أيضًا إلى «الوصول داخل غزة»، مما أدى إلى عزل مناطق بأكملها عن الإمدادات والخدمات الأساسية. إضافة إلى المعابر والطرق، فرضت الحرب الإسرائيلية طبقة إضافية من السيطرة من خلال ما أصبح يُعرف بـ«التنسيق الإلزامي» للقوافل الإنسانية. حتى عندما سُمح بدخول المساعدات، ظلت حركتها داخل غزة مرهونة بموافقات الجيش الإسرائيلي، خاصة بالقرب من مناطق انتشار القوات الإسرائيلية أو على الطرق المؤدية إلى المعابر. وتظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن مئات المهام الإنسانية واجهت «عوائق أو إلغاء أو رفضًا».

الانتهاكات القانونية: شهادات حقوقية

وفقًا لمها الحسيني، مديرة المناصرة في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن ما حدث خلال الحرب لم يكن مجرد قيود مؤقتة على حرية السفر، بل «سياسة منهجية استخدمت إسرائيل من خلالها السيطرة على الحركة من وإلى غزة كأداة مركزية للحصار والعقاب الجماعي والإدارة القسرية للسكان المدنيين». وأوضحت الحسيني للجزيرة أن إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، ملزمة بموجب القانون الدولي بالسماح بحرية التنقل لضمان «الوصول إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية والرعاية الصحية والتعليم ولم شمل الأسرة». ومع ذلك، قالت إن الممارسات الإسرائيلية خلال الحرب عكست «انتهاكًا منهجيًا لهذه الالتزامات» من خلال الإغلاق شبه التام للمعابر، والسيطرة الصارمة على من يُسمح له بالمغادرة أو العودة، واستخدام «إجراءات تعسفية ومهينة ضد المدنيين».

الإجلاء الطبي: سباق مع الزمن

تتجلى استخدام الحركة كآلية للسيطرة بشكل أوضح في ملف الإجلاء الطبي. فبعد إغلاق إسرائيل لمعبر رفح، تم توجيه إجلاء المرضى والجرحى عبر عملية معقدة للغاية، تبدأ بقوائم المرضى والإحالات، تليها عمليات النقل إلى نقاط التجمع داخل غزة، ثم النقل إلى معبر كرم أبو سالم، حيث كانت هناك حاجة إلى تصاريح أمنية إسرائيلية إضافية. وقد فشل هذا النظام فشلاً ذريعًا في الاستجابة للحجم المخيف للكارثة الطبية المستمرة في القطاع، بل كان مسارًا بطيئًا ومقيدًا بشكل متعمد.

إحصائيات صادمة: فجوة بين الحاجة والاستجابة

تكشف الأرقام الرسمية عن فجوة صارخة بين الطلب والواقع. فبين 8 مايو 2024 و18 يناير 2025، تم إجلاء 459 مريضًا فقط عبر كرم أبو سالم. وخلال فترة وقف إطلاق النار اللاحقة بين 19 يناير و17 مارس 2025، عندما أعيد فتح رفح جزئيًا، ارتفع العدد إلى 1702 مريض، بمن فيهم مئات الأطفال، مما يشير بوضوح إلى أن عمليات الإجلاء تتحسن فقط عند توفر طرق حركة إضافية. وبمجرد انتهاء تلك الفترة واستئناف الاعتماد على كرم أبو سالم، انخفضت عمليات الإجلاء مرة أخرى بشكل حاد إلى 352 مريضًا فقط بين 18 مارس و16 يوليو 2025. في المقابل، تفيد منظمة الصحة العالمية اليوم بأن أكثر من 18,500 مريض في غزة ما زالوا بحاجة ماسة وعاجلة للعلاج الطبي خارج القطاع. يظهر التباين بين الحاجة والنتائج أن عمليات الإجلاء التي أجريت على مدى أشهر عديدة لم تعالج سوى جزء ضئيل من الطلب الفعلي، مما ترك الآلاف عالقين في قوائم انتظار مفتوحة في غزة التي مزقتها الحرب.

إعادة فتح جزئي: قيود مستمرة

توفي أكثر من 1600 فلسطيني أثناء انتظارهم الرعاية الصحية في الخارج. في هذا السياق، قالت الحسيني إن القيود على الحركة ترقى إلى أحد أخطر انتهاكات إسرائيل خلال الحرب. وأضافت: «حُرم آلاف الفلسطينيين الجرحى والمرضى، بمن فيهم الأطفال ومرضى السرطان، من القدرة على السفر خارج غزة لتلقي العلاج الطبي، أو أُجبروا على الانتظار لأسابيع أو أشهر تحت إجراءات معقدة وغير شفافة. وفي كثير من الحالات، تدهورت صحتهم أو توفوا قبل منح الإذن بالمغادرة». وتابعت: «لا يمكن تبرير مثل هذه الممارسات لأسباب أمنية وتشكل انتهاكًا مباشرًا للحق في الحياة، وترقى إلى المعاملة القاسية واللاإنسانية». وعندما أعيد فتح رفح جزئيًا هذا الشهر بعد ضغط الولايات المتحدة على القادة الإسرائيليين، لم يتغير الواقع الأساسي جوهريًا. ففي 2 فبراير، أعلنت منظمة الصحة العالمية إجلاء خمسة مرضى وسبعة مرافقين فقط. كان فتحًا حدوديًا خاضعًا لرقابة مشددة مع مصر، تحكمه طبقات متعددة من التدقيق: أعداد قليلة مسموح لها بالعبور، إذن أمني إسرائيلي مسبق للعائدين، فحص أوروبي في رفح، يليه فحص هوية ثانٍ.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *