تُعد شجرة الأركان، هذا الكائن النباتي الفريد الذي صمد لآلاف السنين في وجه قسوة الطبيعة والتهميش، محور اهتمام متجدد على الساحة الإقليمية. ففي خطوة لافتة، أعلنت وزارة الفلاحة الجزائرية عن تخصيص 100 ألف شجرة أركان ضمن حملة تشجير وطنية واسعة، وصفتها بأنها مبادرة لدعم التنوع البيولوجي وتثمين صنف نباتي ذي قيمة بيئية واقتصادية عالية. هذا الإعلان، رغم صياغته الأنيقة وأرقامه الطموحة، يثير تساؤلات علمية حول مدى واقعية هذا المشروع الزراعي.
الأركان: خصوصية التوطين الجغرافي
للتذكير بالحقائق العلمية الثابتة، تؤكد الأبحاث النباتية والمنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو التي صنفت مجال الأركان تراثًا بيولوجيًا عالميًا، أن شجرة الأركان متوطنة حصريًا في المملكة المغربية. يمتد موطنها الطبيعي في المنطقة الغربية الوسطى من المغرب، من آسفي شمالًا وصولًا إلى طانطان جنوبًا، عبر شريط ساحلي شبه جاف، ويتوغل شرقًا نحو تارودانت.
تحديات زراعة الأركان خارج موطنها الأصلي
إن شجرة الأركان ليست مجرد غرسة يمكن نقلها وزراعتها في أي مكان؛ بل هي جزء لا يتجزأ من نظام بيئي متكامل ومعقد. يتطلب نموها وازدهارها تربة خاصة، ومناخًا محددًا، وتوازنًا دقيقًا بين الجفاف والرطوبة، بالإضافة إلى تاريخ طويل من التكيف البيئي الذي لا يمكن اختزاله في عملية تشجير بسيطة. لقد حاولت العديد من الدول استنساخ هذه الشجرة ضمن تجارب علمية دقيقة، وحققت نجاحات جزئية في البحث المخبري، لكنها لم تتمكن من خلق مجال أركان حقيقي ومستدام خارج بيئتها الأصلية التي تضمن لها الإثمار الاقتصادي المرجو.
سياق المبادرة الجزائرية
تأتي هذه المبادرة الجزائرية في سياق إقليمي يشهد بين الفينة والأخرى نقاشات حول أصول بعض المنتجات الثقافية والطبيعية. فبعد قضايا سابقة تتعلق بالقفطان والزليج والفلكلور، يبرز اسم الأركان مجددًا ليطرح تساؤلات حول إمكانية “توطين” عناصر طبيعية ذات ارتباط تاريخي وجغرافي عميق بمنطقة معينة، بمجرد الإعلان الرسمي أو حملات التشجير.
خاتمة: الطبيعة لا تمتثل للبلاغات
في الختام، ورغم الجهود التي قد تُبذل لغرس آلاف الشتلات وتنظيم الحملات الدعائية، فإن الحقائق العلمية والبيئية تؤكد أن شجرة الأركان ستظل متجذرة في تربتها ومناخها وتاريخها المغربي. فبعض الأشجار لا تهاجر بسهولة، وبعض الجذور لا يمكن تقليدها، وبعض الحقائق، مهما حاول البعض إعادة تسويقها، تبقى ثابتة وصامتة وعنيدة، تمامًا كشجرة الأركان نفسها.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق