صورة للباحث عبد الوهاب رفيقي خلال ندوة حول مدونة الأسرة والخبرة الجينية
المجتمع

الخبرة الجينية وإثبات النسب: جدل فقهي واجتماعي يثيره عبد الوهاب رفيقي

حصة
حصة
Pinterest Hidden

وجه الباحث في الدراسات الإسلامية، عبد الوهاب رفيقي، انتقادات حادة لموقف المجلس العلمي الأعلى الرافض لاعتماد الخبرة الجينية في إثبات النسب ضمن مشروع مدونة الأسرة الجديدة. واعتبر رفيقي أن التحفظات المسجلة تفتقر إلى “التأصيل الفقهي الدقيق”، وتتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى حماية الفئات الضعيفة وإحقاق الحق.

الخطاب الملكي وسقف الاجتهاد

خلال مداخلة له في ندوة نظمتها الجمعية المغربية لليتيم بالدار البيضاء، قام رفيقي بتفكيك المرجعية التي استند إليها المجلس العلمي الأعلى في رفضه لتوصيات اللجنة المكلفة بمراجعة المدونة، خاصة فيما يتعلق بالخبرة الجينية. وأكد الباحث أن الخطاب الملكي السامي حدد “النصوص القرآنية القطعية” كسقف وحيد للاجتهاد، مشدداً على أن قضية إثبات النسب بالوسائل العلمية الحديثة لا تخالف أي نص قرآني قطعي، بل لا يوجد نص قطعي يمنعها لا في الكتاب ولا في السنة النبوية.

وأوضح رفيقي أن المؤسسة الدينية كان يُنتظر منها تقديم تفاصيل فقهية توضح أسباب الرفض، بدلاً من الاكتفاء بجدول (استجيب/ لم يستجب)، مؤكداً أن “الكلام العام حول النصوص القطعية لا ينطبق على حالتنا هذه، لأن العلم اليوم يقدم دليلاً يقينياً يتجاوز الظن.”

إلحاق النسب: خلاف فقهي قديم

بيّن رفيقي أن مسألة إلحاق الطفل المولود خارج إطار الزواج بوالده البيولوجي ليست بدعة معاصرة، بل هي خلاف فقهي قديم عرفه عصر الصحابة والتابعين. واستشهد بآراء فقهاء بارزين كالحسن البصري وابن سيرين، وصولاً إلى ابن تيمية وابن القيم، الذين انتصروا لإلحاق النسب بناءً على “الماء البيولوجي”.

كما كشف رفيقي عن مفاجأة بالتذكير بأن ابن القاسم، تلميذ الإمام مالك وأحد أبرز أئمة المذهب المالكي، رويت عنه أقوال تؤيد إلحاق هؤلاء الأطفال، مما يعني أن “الاجتهاد في هذا الباب متاح حتى من داخل المنظومة المالكية التي يتمسك بها المحافظون.”

تفنيـد استدلال “الولد للفراش” ومقارنة بـ “القيافة”

فند المتحدث الاستدلال بحديث “الولد للفراش”، معتبراً أن هذه القاعدة تنطبق عند وجود نزاع داخل مؤسسة الزوجية القائمة، ولا يمكن إسقاطها على حالات غياب “الفراش” أصلاً. وأشار إلى قاعدة فقهية راسخة مفادها أن “النسب يثبت بأدنى دليل ولا ينتفي إلا بأقوى دليل”، متسائلاً بحدة: “كيف نقبل في الفقه القديم (القيافة) المبنية على مجرد الشبه، ونرفض اليوم الخبرة الجينية التي تصل دقتها إلى 99.9%؟”

الآثار الاجتماعية لرفض الخبرة الجينية

حذر رفيقي من أن رفض اعتماد الخبرة الجينية يؤدي إلى نتيجة وخيمة: إعفاء الطرف الأقوى (الرجل) من المسؤولية، وتحميل التبعات للطرفين الأضعف في المعادلة (الأم والطفل). وقال: “إذا قلنا إن الشريعة هي من تمنع إلحاق النسب، فنحن نتهمها ضمناً بأنها تعفي الجاني وتحرم الطفل البريء من أبسط حقوقه. هذا الفهم يتعارض مع القواعد الشرعية والعقلية؛ فالضرر الدائم الذي يلحق بالطفل لا يمكن القبول به خوفاً من (مفسدة متوهمة) تتعلق بالحرج الاجتماعي.”

واختتم رفيقي مداخلته بالتأكيد على أن الإشكال الحقيقي ليس فقهياً ولا شرعياً، بل هو “ارتباك اجتماعي” يتم تغليفه بالدين. ودعا إلى شجاعة تشريعية تضع حداً لضياع الأنساب وتحمي المجتمع من اختلاطها المستقبلي الناتج عن عدم الاعتراف بهؤلاء الأطفال، مؤكداً أن “حفظ النسل” يتحقق بالاعتراف بالواقع البيولوجي وليس بإنكاره.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *