نادراً ما تكشف الأسواق العالمية عن نقاط ضعفها بهدوء؛ بل تفعل ذلك عندما تتعرض ممرات الشحن للتهديد، أو ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، أو تتصدع سلاسل الإمداد. ولا توجد منطقة تجسد هذه الحقيقة بوضوح أكبر من البحر الأحمر وخليج عدن، اللذين أصبحا اليوم من أكثر الممرات البحرية تنافساً في العالم. إن ما يحدث على طول هذه المياه لم يعد محلياً، بل يشكل الأمن الاقتصادي في جميع أنحاء العالم العربي وخارجه.
ومع ذلك، وفي خضم الاهتمام المتزايد بهذا الممر الاستراتيجي، يظل هناك عامل واحد يُستهان به باستمرار: الصومال.
الصومال: من الهشاشة إلى الشراكة الاستراتيجية
لعقود من الزمن، كان يُنظر إلى الصومال في المقام الأول من منظور الصراع والهشاشة. لكن هذه السردية لم تعد تعكس واقع اليوم. فالبلاد تشهد تحولاً جوهرياً، مبتعدة عن حالة عدم الاستقرار الطويلة، وتعيد بناء مؤسسات الدولة، وتبرز من جديد كفاعل سيادي ذي أهمية إقليمية متزايدة. يقع الصومال عند تقاطع العالم العربي وأفريقيا والبحر الأحمر وخليج عدن، وهو ليس هامشياً للاستقرار الإقليمي؛ بل هو محوري له.
الأهمية الجغرافية والاقتصادية
موقع استراتيجي لا غنى عنه
تفسر الجغرافيا وحدها الكثير من هذه الأهمية. فبامتلاكها أطول خط ساحلي في البر الرئيسي لأفريقيا، تقع الصومال بمحاذاة مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي الأوسع. يمر جزء كبير من التجارة البحرية العالمية وشحنات الطاقة عبر هذا الممر. وبالتالي، فإن أي اضطرابات على طول الساحل الصومالي لها تداعيات فورية على موثوقية الشحن وأسواق الطاقة والأمن الغذائي، وهي قضايا تهم دول الخليج والاقتصادات العربية بشكل مباشر.
شريك على خط المواجهة للأمن الإقليمي
بالنسبة للعالم العربي، يجب فهم الصومال ليس كأرض بعيدة، بل كشريك على خط المواجهة في الأمن الإقليمي. يساعد الاستقرار على طول الساحل الصومالي في احتواء التهديدات قبل وصولها إلى شبه الجزيرة العربية، سواء كانت في شكل تطرف عنيف، أو شبكات تهريب غير مشروعة، أو قرصنة، أو ترسيخ وجود عسكري خارجي معادٍ على الجناح الشرقي لأفريقيا.
إنجازات ملموسة نحو الاستقرار
الصومال لا يحاول بناء الاستقرار من الصفر. فعلى الرغم من التحديات المستمرة، تم إحراز تقدم ملموس. تعمل هياكل الحكم الفيدرالية، وتخضع قوات الأمن الوطنية لعملية احتراف، وتحسنت إدارة المالية العامة. وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعاد الصومال تأكيد مكانته داخل جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والمنتديات متعددة الأطراف. تستمر هذه المكاسب في البناء عليها يومياً وتعكس التزاماً واضحاً بالسيادة الوطنية والوحدة الإقليمية والشراكة بدلاً من التبعية. يسعى الصومال اليوم إلى التوافق الاستراتيجي القائم على المصلحة المتبادلة، وليس على المساعدات الخيرية.
آفاق اقتصادية واعدة
بوابة إلى شرق أفريقيا
تمتد أهمية الصومال إلى ما هو أبعد من الأمن. فعضويتها في مجموعة شرق أفريقيا (EAC) تدمج البلاد في واحدة من أسرع مناطق العالم نمواً من حيث السكان والمستهلكين. إن التوسع الديموغرافي السريع والتوسع الحضري والتكامل الاقتصادي في شرق أفريقيا يضع الصومال كجسر طبيعي بين رؤوس الأموال الخليجية وأسواق النمو الأفريقية.
مركز لوجستي محتمل
هناك فرصة واضحة للصومال ليصبح بوابة لوجستية ومركزاً لإعادة الشحن يربط الخليج والبحر الأحمر وشرق أفريقيا والمحيط الهندي. ومع الاستثمارات المستهدفة في الموانئ وممرات النقل والأمن البحري، يمكن أن يصبح الصومال عقدة حيوية في سلاسل الإمداد الإقليمية، مما يدعم تنويع التجارة والأمن الغذائي والمرونة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم العربي.
طاقات شبابية واعدة
في قلب إمكانات الصومال يكمن سكانه الديناميكيون. أكثر من 70 بالمائة من الصوماليين تقل أعمارهم عن 30 عاماً. هذا الجيل حضري بشكل متزايد، ومتصل رقمياً، وريادي. تعمل شبكات التجار ورجال الأعمال الصوماليين بالفعل في جميع أنحاء جنوب وشرق أفريقيا، وتشمل مجالات اللوجستيات والمالية والتجزئة والخدمات. كما أن الشتات الكبير والحيوي في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وأفريقيا يعزز هذا الوصول من خلال التحويلات والاستثمار والخبرة العابرة للحدود.
الأمن: استثمار استراتيجي للعالم العربي
لا يمكن استدامة أي من هذه الزخم دون أمن. إن قطاع الأمن الصومالي القادر والشرعي وطنياً هو الأساس للاستقرار الدائم وثقة الاستثمار والتكامل الإقليمي.
بالنسبة لدول الخليج والعالم العربي الأوسع، فإن دعم قطاع الأمن الصومالي ليس عملاً إيثارياً؛ بل هو استثمار استراتيجي في شريك موثوق به لتحقيق الاستقرار. تساهم المؤسسات الأمنية الصومالية الفعالة بشكل مباشر في حماية الممرات البحرية للبحر الأحمر وخليج عدن، ومكافحة الإرهاب العابر للحدود قبل وصوله إلى الشواطئ العربية، وحماية البنية التحتية اللوجستية الناشئة، ومنع الجهات الخارجية من استغلال الفراغات في الحكم. يجب أن يركز هذا الدعم على بناء المؤسسات، والملكية الصومالية، والاستدامة على المدى الطويل، وليس على الحلول قصيرة الأجل أو المنافسة بالوكالة.
تحديات متصاعدة ومخاطر التفتيت
تتزايد المخاطر. يدخل البحر الأحمر وخليج عدن فترة من التنافس الاستراتيجي المتزايد. ويشكل التفتيت على طول سواحله الأفريقية خطراً مباشراً على الأمن الجماعي العربي. وتؤكد التطورات الأخيرة هذه الضرورة الملحة.
إن اعتراف إسرائيل الأحادي بمنطقة “صوماليلاند” الشمالية، الذي تم خارج الأطر القانونية الدولية ودون موافقة الصومال، يُنظر إليه على نطاق واسع كمحاولة لتأمين موطئ قدم عسكري على طول هذه المياه الاستراتيجية، مما يهدد بإدخال الصراع العربي الإسرائيلي في البيئة الأمنية للخليج.
والأكثر إثارة للقلق هي الروايات الناشئة التي تدعو إلى التهجير القسري للفلسطينيين من غزة، مع مقترحات لإعادة توطينهم في “صوماليلاند” ضد إرادتهم. إن مثل هذه الأفكار، سواء تم طرحها رسمياً أم لا، تمثل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي والكرامة الإنسانية. إن تصدير عواقب الاحتلال والحرب إلى الأراضي الأفريقية لن يحل الصراع؛ بل سيزيده تعقيداً.
بالنسبة للعالم العربي، يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار. فالسماح للجهات الخارجية بتفتيت الدول ذات السيادة أو استغلال المناطق الهشة للصراعات غير المحلولة يحمل عواقب طويلة الأجل. وبالتالي، فإن وحدة واستقرار الصومال يتوافقان تماماً مع المصالح الاستراتيجية العربية الأساسية ومع المواقف العربية الراسخة بشأن السيادة والعدالة وتقرير المصير.
الصومال: شريك أساسي للمستقبل
الصومال مستعد ليكون جزءاً من الحل. فبدعم استراتيجي مدروس، لا سيما في تطوير قطاع الأمن والبنية التحتية اللوجستية، يمكن أن يبرز الصومال كحجر زاوية للاستقرار في البحر الأحمر وخليج عدن، وبوابة لشرق أفريقيا، وشريك طويل الأجل للعالم العربي.
لم يعد السؤال هو ما إذا كان الصومال مهماً في المناقشات والخطط الإقليمية والعالمية المتعلقة بالبحر الأحمر وخليج عدن. بل هو ما إذا كانت المنطقة ستتصرف بناءً على هذا الواقع قبل أن يفعل الآخرون.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق