تشهد منطقة البقاع اللبناني منذ أسابيع حملة أمنية مكثفة، تتجاوز في نطاقها وتأثيرها مجرد الملاحقات الروتينية لتجارة المخدرات غير المشروعة. يرى مراقبون أن هذا التحرك يمثل محاولة جادة لكسر معادلة راسخة استمرت لسنوات طويلة، حيث ظلت مناطق واسعة محصنة، وشبكات التهريب معروفة، وأسماء المتورطين متداولة علناً دون مساءلة حقيقية. أخيراً، فُتح هذا الملف الذي ظل مغلقاً سياسياً، وشهدت هذه المناطق، التي اعتادت الإفلات من قبضة الدولة، دخولاً للجيش اللبناني إلى معاقل تصنيع المخدرات والاتجار بها.
إن حجم المداهمات، ونوعية المصادرات، وتوقيت التوقيفات، أعادت هذا الملف إلى الواجهة بصفته قضية سيادية بامتياز، لا مجرد مسألة أمنية عابرة. وكان توقيف نوح زعيتر، أحد أبرز تجار المخدرات، في نوفمبر الماضي، بمثابة اختبار مبكر لجدية هذا المسار. ومع ذلك، فإن ما أعقب التوقيف لم يبدد الشكوك، بل أثار تساؤلات إضافية حول فعالية الإجراءات القضائية.
قضية نوح زعيتر: محك العدالة
أصدرت المحكمة العسكرية أحكاماً بحق نوح زعيتر في أربعة ملفات بالسجن شهراً واحداً عن كل منها، وأعلنت براءته في ثلاثة أخرى، وأسقطت 33 دعوى بمرور الزمن. هذه المفارقة الصارخة تتناقض مع مسيرة زعيتر التي حولت اسمه إلى رمز لاقتصاد متشابك بين تجارة المخدرات والسلاح، تحت مظلات حماية سياسية وأمنية. يزداد هذا التناقض حدة في ظل إدراجه على لوائح العقوبات الأميركية والأوروبية، وكونه مطلوباً للإنتربول.
يطرح هذا المشهد تساؤلات حول ما إذا كنا أمام بداية فعلية لتفكيك منظومة متجذرة، أم مجرد عرض أمني محدود السقف. فالفجوة الواضحة بين الأداء الأمني النشط على الأرض والأحكام القضائية التي وُصفت بـ”الهزلية”، تضع الدولة اللبنانية أمام اختبار حقيقي: إما المضي قدماً في معركة فرض السيادة، أو الاكتفاء بخطوات جزئية لا تمس جوهر المشكلة.
رفع الغطاء السياسي: تحول في المشهد
لسنوات طويلة، لم تعمل شبكات المخدرات في البقاع في الخفاء، بل كانت أنشطتها علنية. كانت أسماء العديد من أعضائها معروفة، وخرائط نفوذها مرسومة، ومسارات إنتاجها وتهريبها مكشوفة إلى حد كبير. لم يكن ضعف الدولة وحده هو ما وفر لها الحماية، بل مظلة سياسية وأمنية، ينسبها خصوم حزب الله إليه، حولت مناطق واسعة إلى مساحات محصنة خارج الملاحقة والمساءلة.
اليوم، لا تعكس الوقائع تفكيكاً جذرياً لهذه الشبكات بقدر ما تشير إلى تبدل في القرار السياسي: الغطاء رُفع، فداهم الجيش. هذا التحول لا يشكل، بنظر مراقبين، صحوة سيادية مفاجئة، بل نتيجة تقاطع عدة عوامل داخلية وخارجية. فالحزب، الذي تعرض لانتكاسات في حربه الأخيرة مع إسرائيل، بات أقل قدرة على فرض معادلاته الداخلية كما في السابق. وبالتوازي، أدى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا إلى تفكك أحد أعمدة منظومة إنتاج وتهريب عابرة للحدود، كانت تشكل العمق اللوجستي لتجارة المخدرات. ومع انكشاف مصانع ضخمة على طول الحدود اللبنانية-السورية، بدأ النظام السوري الجديد يضغط لإقفال مسارات التهريب، ما انعكس مباشرة على الداخل اللبناني.
يربط المحامي محمد صبلوح، مدير برنامج الدعم القانوني في مركز سيدار للدراسات القانونية، توقيت الحملة بالضغوط الدولية المتزايدة على لبنان، ولا سيما الأميركية، في ملف سلاح حزب الله. ويرى في حديث لموقع “الحرة” أن الدولة تحاول إظهار التزامها بتطبيق “سيادة القانون” عبر فتح ملف المخدرات، في مسعى لتخفيف حدة الضغط الخارجي. ويأتي هذا التحرك أيضاً في إطار مساعي الحكومة اللبنانية لدفع السعودية إلى رفع الحظر المفروض منذ عام 2021 على الصادرات الزراعية اللبنانية، عقب ضبط شحنات خضار محمّلة بحبوب الكبتاغون. وفي هذا السياق، جاءت مواقف وزير الداخلية أحمد الحجار، خلال لقائه السفير السعودي في بيروت وليد البخاري، في سبتمبر الماضي، حيث وصف مكافحة المخدرات بـ”الأولوية للبنان وللمجتمع العربي”.
يؤكد الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن حملة الجيش تندرج ضمن استراتيجية أقرّتها السلطة السياسية، لها ثلاثة أهداف: تحسين صورة لبنان خارجياً، وضع حد لظاهرة ألحقت أضراراً جسيمة بالبلاد، وتجفيف مصادر تمويل مجموعات مسلحة استفادت من الاتجار بالمخدرات. ويشدد في حديث لموقع “الحرة” على أن “التهريب عبر الحدود شكّل في مراحل سابقة مصدر تمويل أساسياً لحزب الله”. أما المحلل السياسي المحامي أمين بشير، فيرى أن ما يجري “ليس انقلاباً في سياسات الدولة، بل تفعيلاً متأخراً لأدوات أمنية كانت معطلة بفعل نفوذ الحزب”. ويضيف في حديث لموقع “الحرة” أن التطورات “مرتبطة أساساً بضغط دولي خارجي على لبنان، يضع في صلبه عنواناً متلازماً مع حصرية السلاح، هو تجفيف مصادر تمويل حزب الله، حيث تعد تجارة المخدرات أحد أبرز هذه المصادر”.
لبنان: من ضحية إلى مركز إنتاج؟
صنفت الأمم المتحدة لبنان عام 2019 في المرتبة الثالثة عالمياً كمصدر للحشيش، الذي تم تشريعه في أبريل 2020 للاستخدام الطبي والصناعي ليصبح لبنان أول دولة عربية تشرعه. غير أن التحول الأخطر، بحسب دراسة صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط في مارس الماضي، تمثل في انتقال لبنان إلى لعب دور محوري في تجارة الكبتاغون. وأشار المركز إلى ظهور شبكات جديدة نشأت في ظل الحرب السورية، وتوسعت مع تضخم الاقتصاد النقدي في لبنان عقب الانهيار المالي عام 2019، متجاوزة البنية العشائرية التقليدية، وبانية علاقات عابرة للحدود والانقسامات.
يلفت صبلوح إلى مفارقة أساسية مفادها أن “أي حملة جدية اليوم تدين الدولة أكثر مما تبرئها”. فلبنان، وفق قوله، “تحول خلال السنوات الماضية إلى مركز إنتاج وتصدير للمواد الممنوعة، حيث تركت إمبراطوريات المخدرات تنمو، فيما اقتصر الأداء الرسمي على ملاحقة صغار المتورطين وصناعة بطولات وهمية”. ويطرح سؤالاً: “إذا كانت الدولة قادرة اليوم على التحرك، فمن عطلها طوال هذه السنوات، ولماذا برز تشددها فقط في ملفات أخرى جرى فبركتها؟”.
كذلك يرى رئيس الهيئة العربية لمكافحة المخدرات والمدرب الدولي المتخصص الدكتور محمد مصطفى عثمان أن الحملة التي ينفذها الجيش اللبناني في البقاع “متأخرة”، لكنه يعتبرها في الوقت نفسه “خطوة إيجابية ومطلوبة”، وإن كانت “غير كافية ما لم تترافق مع ملاحقة الرؤوس الكبيرة وعدم الاكتفاء بتوقيف صغار المروجين أو المتعاطين”. ويلفت عثمان في حديث لموقع “الحرة” إلى أن الجيش “نفذ عمليات نوعية في مناطق حساسة، شملت مداهمات وهدم أوكار تصنيع وتخزين، ولا سيما في منطقة الشرونة في البقاع، ومخيم شاتيلا في بيروت”.
تحديات شاملة: الأمن، القضاء، والمجتمع
يشكل ملف نوح زعيتر اختباراً فعلياً لجدية المنظومة السياسية والقضائية، لا مجرد حالة معزولة. “فإسقاط عشرات الدعاوى دفعة واحدة بفعل مرور الزمن، وإعادة توصيف ملفات جنائية كجنحية، إلى جانب تسريع غير مسبوق في البت بقضاياه”، كلها مؤشرات تثير، كما يشدد صبلوح، “أسئلة جدية حول ما إذا كان المسار القضائي يتجه نحو تفكيك الشبكات أم نحو احتواء تداعيات التوقيف”. مبدياً تخوفه من أن تكون هذه السرعة “تمهيداً لطي الملف عبر أحكام محدودة تتيح الإفراج المبكر”.
في المقابل، ينفي بشير وجود “أحكام مخففة”، موضحاً أن القرارات الصادرة حتى الآن “تطال ملفات جنحية فقط، فيما لا تزال القضايا الجنائية قيد النظر”. وهو ما يؤكده ملاعب، مشيراً إلى أن “القضاء لم يبت بعد في الجرائم الجنائية الخطرة، كإطلاق النار على رجال السلطة والاتجار بالمخدرات”، لافتاً إلى أن “جلسات مرتقبة في مايو المقبل قد تفضي إلى أحكام قاسية”.
يأتي هذا الجدل في ظل تصاعد الانتقادات الدولية، كان آخرها دعوات داخل الكونغرس الأميركي لفرض عقوبات على قضاة لبنانيين يشتبه بتسهيلهم عمل شبكات مرتبطة بالحزب. وخلاصة المشهد، وفق صبلوح، أن ما يجري في البقاع “ليس معركة أمنية فحسب، بل اختبار حقيقي لإرادة الدولة. فرفع الغطاء السياسي شرط ضروري، لكنه غير كافٍ. ومن دون مسار قضائي شفاف واستمرارية سياسية واضحة، قد تبقى هذه الحملة مجرد لحظة عابرة في تاريخ طويل من التسويات”.
من جانبه يشدد عثمان على أن مكافحة المخدرات لا يمكن أن تقتصر على الحل الأمني وحده، داعياً إلى مقاربة شاملة تشمل “العلاج الطبي والتأهيل النفسي والاجتماعي للمتعاطين، إلى جانب دور حاسم للقضاء في منع تحول السجون إلى بيئة حاضنة للجريمة، ومعالجة أزمة الاكتظاظ التي وصفها بالقنبلة الموقوتة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق