شهدت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة مساراً تفاوضياً معقداً، لم يبدأ عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل تطور تدريجياً عبر قنوات خلفية ورسائل غير معلنة. منذ القطيعة الدبلوماسية الرسمية عام 1980، التي أعقبت الثورة الإسلامية في طهران، اعتمد الخصمان على وساطات إقليمية ودولية للحفاظ على خيوط التواصل، وكانت سلطنة عُمان في طليعة هذه الجهود، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين.
مرحلة ما قبل الألفية الجديدة: جذور القطيعة ومحاولات التواصل
بعد الإطاحة بنظام الشاه عام 1979 وعودة آية الله الخميني لتولي منصب المرشد الأعلى، شهدت العلاقات تصعيداً حاداً باقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 53 دبلوماسياً وموظفاً لمدة 444 يوماً. فشلت محاولة أمريكية لإنقاذ الرهائن، مما أسفر عن مقتل ثمانية جنود. في سبتمبر 1980، وضع الخميني أربعة شروط لتحرير الرهائن: استعادة ثروة الشاه، الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إلغاء المطالب الأمريكية بالتعويضات، ووقف التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية. وفي 19 يناير 1981، تم التوصل إلى اتفاق بوساطة جزائرية، أفضى إلى تحرير الرهائن بالتزامن مع تنصيب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة. قطعت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع طهران عام 1980، وفرضت عقوبات اقتصادية واسعة.
طوال الثمانينيات، سادت حالة من العداء المعلن، حيث وصف الخميني واشنطن بـ”الشيطان الأكبر”، بينما اعتبرتها الولايات المتحدة نظاماً معادياً. تعمق الخلاف خلال الحرب العراقية-الإيرانية مع دعم واشنطن للعراق، رغم الكشف عن قنوات تواصل سرية محدودة خلال فضيحة “إيران-كونترا”، والتي لم تتطور إلى حوار دائم.
مع انتخاب الرئيس الإيراني محمد خاتمي عام 1997، برز خطاب “حوار الحضارات”، ودعا إلى تعزيز التواصل الثقافي مع المجتمع الأمريكي. رحبت الإدارة الأمريكية آنذاك، على لسان وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، بـ”نبرة أقل عدائية”، لكنها اشترطت ترجمة الأقوال إلى أفعال. ظل الموقف الرسمي الأمريكي يرفض المفاوضات المباشرة، مع الإبقاء على قنوات اتصال غير معلنة لمعالجة ملفات محددة، مثل رسالة شفهية قدمها الرئيس بيل كلينتون لخاتمي عبر وسيط عُماني.
تحولات الألفية الجديدة: من التعاون المحدود إلى “محور الشر”
استمر غياب التفاوض المباشر في مطلع الألفية، رغم إشارات خجولة لتخفيف التوتر. شكلت هجمات 11 سبتمبر 2001 نقطة تحول، حيث شهدت تعاوناً غير مباشر بين طهران وواشنطن في ملف أفغانستان، بما في ذلك دعم الجهود الدولية لإسقاط نظام طالبان والمساعدة في تشكيل الحكومة الأفغانية الجديدة. إلا أن هذا التقارب لم يدم طويلاً، ففي يناير 2002، صنف الرئيس جورج بوش إيران ضمن “محور الشر”، مما أعاد العلاقات إلى مربع العداء وأوقف أي مسار محتمل لحوار أوسع.
في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قدمت إيران عبر وسطاء، منهم سويسرا، ما عُرف بـ”العرض الكبير”، الذي تضمن استعداداً لمناقشة ملفات شائكة كالبرنامج النووي والدور الإقليمي. لكن الإدارة الأمريكية رفضت فتح مسار تفاوض رسمي، وبقي التواصل في إطار الرسائل غير المباشرة.
منذ عام 2004، أصبح البرنامج النووي الإيراني محور التوتر الرئيسي. دخلت إيران في مفاوضات مع الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، بينما بقيت الولايات المتحدة خارج غرفة التفاوض رسمياً، لكنها حاضرة في الخلفية عبر التنسيق مع حلفائها الأوروبيين. تشير وثيقة للكونغرس إلى رفض واشنطن الدخول في مفاوضات مباشرة حول البرنامج النووي حتى أواخر مايو 2006.
مع وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد عام 2005، واصلت الولايات المتحدة سياسة العقوبات والضغط الدولي، فيما رفضت طهران أي تفاوض مباشر، مؤكدة ضرورة الحوار على أساس الندية.
عهد أوباما والاتفاق النووي: انفراجة دبلوماسية
مع وصول الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، أعلنت واشنطن تبني نهج “الانخراط الدبلوماسي”. وجه أوباما رسائل علنية إلى القيادة الإيرانية، أبرزها تهنئة الإيرانيين بعيد النيروز، متحدثاً عن “بداية جديدة” لكسر الجمود السياسي.
بين عامي 2012 و2013، فُتحت قناة محادثات ثنائية سرية في مسقط بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، بهدف اختبار إمكانات التسوية حول الملف النووي. هذا المسار السري، الذي وصفته رويترز بأنه جرى التكتم عليه بعناية، مهد الطريق لتفاهمات لاحقة. بالتوازي، استضافت جنيف مساراً تفاوضياً علنياً تُوّج بتوقيع اتفاق مرحلي في 24 نوفمبر 2013، وشهد أول مصافحة علنية بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف. فتح هذا الاتفاق الباب أمام مفاوضات أعمق، انتهت في 14 يوليو 2015 بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بين إيران والقوى الكبرى، وحظي بغطاء دولي عبر قرار مجلس الأمن 2231.
انسحاب ترامب وتجدد التوترات: ملفات خلافية متصاعدة
في عام 2018، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، وأعاد فرض عقوبات واسعة على إيران، مما أدى إلى انهيار المسار التفاوضي المباشر وعودة التواصل إلى قنوات الوساطة. لم تقتصر هذه الوساطات على سلطنة عُمان، بل شملت أطرافاً أخرى مثل قطر، التي لعبت دوراً في نقل الرسائل، خاصة في ملفات تبادل السجناء وتخفيف التوتر العسكري.
طرحت إدارة ترامب فكرة التوصل إلى “اتفاق جديد” أوسع نطاقاً، وهو ما رفضته طهران، مشترطة رفع العقوبات أولاً. تحولت العقوبات الاقتصادية وسياسة “الضغط الأقصى” إلى محور رئيسي في أي حديث عن الحوار، حيث ربطت واشنطن تخفيفها بتغيير السلوك الإيراني، بينما اعتبرتها طهران أداة ابتزاز سياسي. كما برز الدور الإقليمي لطهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن كقضية خلافية أساسية، أصرت الولايات المتحدة على إدراجها في أي تفاوض محتمل، بينما رفضت إيران بحثها باعتبارها شؤوناً داخلية لتلك الدول. تصر إيران أيضاً على استبعاد برنامجها الصاروخي من التفاوض، متمسكة به كشأن سيادي. وإلى جانب ذلك، طُرح أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز كملف توتري بعد حوادث استهدفت ناقلات نفط عام 2019. بلغ التصعيد ذروته باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في قصف صاروخي أمريكي مطلع 2020، قبل أن يتم احتواء التوتر عبر قنوات غير معلنة، شملت العراق وسويسرا ودول خليجية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا








اترك التعليق