تجاوزت الزيارات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية الإطار البروتوكولي المعتاد، لتعلن عن مرحلة جديدة من عودة أنقرة إلى عمقها العربي. هذه الزيارات لم تقتصر على إذابة جليد سنوات من الفتور الدبلوماسي، بل أرست، وفقاً لمراقبين، أسس شراكة استراتيجية تقوم على التنسيق في المصالح الكبرى المشتركة.
تعزيز الشراكة الاقتصادية والعسكرية
بدأت أنقرة سعيها نحو الرياض من بوابة الاقتصاد، بهدف رفع حجم التبادل التجاري السنوي إلى خمسين مليار دولار. وعلى الرغم من الطموح الكبير لهذا الرقم، يرى محللون أن “المكسب الاستراتيجي الأبرز” يكمن في التعاون العسكري التقني، الذي شهد تحولاً نوعياً من مجرد التوريد إلى مرحلة التصنيع المشترك، حسب البيانات الرسمية. وفي هذا الصدد، صرح سفير تركي سابق، فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ”الحرة” بأن “ما تقدمه أنقرة هو بناء القدرات ضمن منظومة مصممة تركياً، فالشراكات تُبنى على المنفعة المتبادلة والاعتماد المتبادل، لا على التبعية أو التأثير السياسي على خيارات تركيا الإقليمية”.
السودان: ملف إقليمي ساخن على طاولة التنسيق
يمتد التنسيق العربي التركي ليشمل ملفات إقليمية حساسة، أبرزها الوضع في السودان. فقد كشفت تقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية عن دور “المسيرات التركية” التي تنطلق من قواعد مصرية في تغيير موازين القوى في المعارك الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وحول هذا التحول، يوضح المحلل السياسي لشؤون القرن الأفريقي، أوميت كاجري ساري، أن “مصر التزمت خلال أول عامين من الحرب بموقف محايد إلى حد كبير، إلا أن الدعم المتزايد من الإمارات لقوات الدعم السريع دفع القاهرة نحو دور أكثر فاعلية، وهو توجه بات الآن أكثر وضوحاً على الصعيدين الدبلوماسي والعسكري”. من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإفريقي بمعهد واشنطن، بن فيشمان، أن مصر لطالما دعمت الحكومة السودانية بقيادة الجنرال عبدالفتاح البرهان، وأن العلاقات التركية المصرية تشكل جزءاً أساسياً من هذا الدعم. ويشير فيشمان إلى تقارير دولية تتحدث عما يسميه “سباق الطائرات بدون طيار في جنوب مصر، بما في ذلك الطائرات التركية”، مؤكداً أن ذلك لم يقدم سوى ما كان معروفاً بالفعل للجميع عن التعاون التركي المصري بشأن السودان.
تحديات شرق المتوسط: ملف الحدود البحرية
تسعى تركيا لتوسيع نطاق مصالحها في شرق المتوسط، وهو ما يتطلب تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة، بما فيها مصر. لكن على الرغم من التقارب الدبلوماسي بين القاهرة وأنقرة، لا تزال ملفات ترسيم الحدود البحرية تشكل نقطة شائكة. يوضح الدبلوماسي التركي ذاته أن “القاهرة تتعامل بحذر مع اتفاقيات الحدود البحرية، ولن تفرط في مكاسبها مع اليونان بسهولة. لكن إذا وجدت مصر أن الاتفاق مع تركيا يوفر فوائد استراتيجية واقتصادية أطول أمداً، فقد تظهر مرونة محدودة ولكنها ذات مغزى”. ويلفت بن فيشمان، بدوره، إلى أن التعاون في ملفات محددة لا يعني بالضرورة حسم الملفات الأخرى. ويقول: “لا يبدو أن النزاع البحري بين تركيا ومصر قد اقترب من الحل. لم تتطرق المذكرة أو الاتفاقية المكونة من 40 نقطة التي التزم بها الطرفان إلى القضية البحرية. وهذا يعني أيضاً أن الدول يمكنها الآن التعاون في عدة قضايا في المنطقة وأن يكون لها أولويات مختلفة، مع الحفاظ على خلافاتها في قضايا أخرى”.
“سياسة التوازنات الذكية” والتوجه نحو المحيط العربي
تُظهر تركيا اليوم نجاحاً ملحوظاً في تطبيق ما يمكن تسميته “سياسة التوازنات الذكية”. فأنقرة تسعى لتعزيز علاقاتها بمجموعة “بريكس” دون قطع جسور التواصل مع شركائها الأوروبيين، وتستورد الغاز من الولايات المتحدة وروسيا في آن واحد. هذا التوجه التركي نحو المحيط العربي ينبع من قناعة راسخة بأن طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (بروكسل) لا يزال محفوفاً بالعقبات التي لم تتمكن من تجاوزها طوال العشرين عاماً الماضية.
آفاق المستقبل وتحديات “العثمنة الجديدة”
على الرغم من الثقة التي تبديها هذه الأطراف في علاقاتها البينية الجديدة، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل ستصمد هذه الشراكات أمام التنافس الجيوسياسي القديم وهاجس ما يطلق عليه البعض “العثمنة الجديدة”؟ إن الإجابة على هذا التساؤل ستحدد ملامح المشهد الإقليمي في السنوات القادمة.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا










اترك التعليق