صورة لمسجد في إيران يظهر عليه آثار التخريب خلال الاحتجاجات الأخيرة، يرمز إلى تراجع التدين.
منوعات

مفارقة الإيمان: كيف أسهمت الثيوقراطية الإيرانية في تراجع التدين؟

حصة
حصة
Pinterest Hidden

في خضمّ الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت إيران مؤخرًا، والتي واجهت قمعًا وحشيًا أودى بحياة أعداد لا تحصى، برزت ظاهرة لافتة تستدعي التحليل. لم تقتصر هجمات بعض المحتجين على استهداف المقار الحكومية والمراكز الأمنية فحسب، بل امتدت لتطال مواقع دينية مقدسة. ووفقًا لتقارير إعلامية إيرانية رسمية ومعارضة على حد سواء، تعرضت عشرات المساجد والأضرحة في مختلف أنحاء البلاد للتخريب، حيث أُضرمت النيران في بعضها، وأُحرقت نسخ من المصحف الشريف داخلها. ومن أبرز هذه الحوادث، إشعال النيران في مسجد الرسول الشهير بطهران في التاسع من يناير/كانون الثاني، وسط هتافات المحتجين “الموت للديكتاتور!”.

لا شك أن استهداف دور العبادة هو فعل مرفوض ومدان في أي سياق أو بلد. ويجب على القلة من المعارضين الذين تورطوا في هذه الاعتداءات، أو برروها، أن يدركوا أن مثل هذه الأفعال لا تخدم قضية إيران الحرة، وهي قضية يتقاسمها العديد من المؤمنين المسلمين داخل إيران وخارجها. ومع ذلك، لا يمكن إنكار حقيقة أن الجمهورية الإسلامية نفسها قد أسهمت بشكل مباشر في تأجيج هذا العداء للدين.

تسييس الدين: عامل رئيسي في نفور الإيرانيين

على مدى عقود، برر النظام الإيراني حكمه السلطوي بالاستناد المستمر إلى الإسلام. فبينما ادعى المرشد الأعلى الحكم باسم الله، صُوّر معارضو النظام على أنهم “أعداء الله”. وفي رد فعل على هذا التسييس، تحول بعض هؤلاء المعارضين إلى معاداة الدين نفسه. حتى المساجد، التي تحظى بقدسية واحترام واسع في العالم الإسلامي، حتى لدى غير المتدينين، أُدرجت ضمن هذا التسييس المتطرف. فقد استُخدم العديد منها كمقار لأجهزة القمع التابعة للدولة، بما في ذلك ميليشيا الباسيج سيئة السمعة، والمكروهة من قبل المعارضين لأسباب مفهومة. وفي أغسطس/آب 2024، تفاخر قائد هذه الميليشيا بأن 79% من قواعد الباسيج “تقع داخل المساجد”. هذا الاستغلال اللامتناهي للدين من قبل النظام، ألا يفسر موجة معاداة الإسلام التي طالت حتى أماكن العبادة؟ وكما كتبت الصحفية الإيرانية المنفية نازنين نور على منصة “إكس”: “ثيوقراطية قاتلة تقتل وتغتصب وتعدم الإيرانيين باسم الإسلام”، انتهت إلى خلق “غضب ضد الدين”.

سياسات الأسلمة القسرية: نتائج عكسية غير متوقعة

لم تقتصر هذه المأساة الدينية التي صنعها النظام على توظيف الدين كأداة سياسية، وهي مشكلة ليست نادرة في الشرق الأوسط. بل سعت الثيوقراطية الإيرانية على مدى عقود إلى إعادة تشكيل المجتمع على صورتها الخاصة من خلال سياسات “أسلمة” مفروضة من الأعلى. ففرضت ممارسات دينية مثل الحجاب، وحظرت “الرذائل” كالكحول، وجرمت التجديف والهرطقة والردة. لكن النتيجة لم تكن ازدياد الإيمان والتدين. على العكس تمامًا، فقد الكثير من الإيرانيين إيمانهم بالإسلام، بل واحترامهم له.

مؤشرات تراجع التدين: شهادات واستطلاعات

هذه المفارقة اللافتة أدهشت العديد من المراقبين الدوليين. فخلال زيارته لطهران مطلع الألفية، أعرب عالم الاجتماع أميتاي إتزيوني عن دهشته لرؤية المساجد “شبه خالية” وقلة الملتزمين بصيام رمضان. وفي عام 2020، أمضى مراسل “الإيكونوميست” نيكولاس بيلهام وقتًا في طهران، ليخلص إلى أنها “قد تكون العاصمة الأقل تدينًا في الشرق الأوسط”. كما لاحظ أن الكحول محظور بصرامة من قبل النظام، لكن “خدمة التوصيل المنزلي للنبيذ أسرع من توصيل البيتزا”.

في الأثناء، وثّقت استطلاعات “غامان” (مجموعة تحليل وقياس المواقف في إيران) الانزياح الحاد بعيدًا عن الإسلام. ففي استطلاعهم الإلكتروني لعام 2020، لم يعرّف سوى نحو 40% من المشاركين أنفسهم بوصفهم مسلمين، بينما وصف كثيرون أنفسهم بأنهم غير متدينين، أو ملحدون، أو زرادشتيون، أو “روحانيون بلا دين”. كما تحول كثيرون إلى المسيحية، منضمين إلى الكنيسة السرية في إيران، التي تصفها منظمات مسيحية بأنها “من الأسرع نموًا في العالم”. وأظهر استطلاع أحدث أجرته “تحالف الشؤون العامة للإيرانيين الأميركيين” (PAAIA) تحولًا كبيرًا في أوساط المغتربين الإيرانيين: ففي عام 2009، عرّف 43% من الإيرانيين الأميركيين أنفسهم بأنهم “مسلمون”، بينما انخفضت هذه النسبة في عام 2025 إلى 24% فقط، مع قفزة هائلة في نسبة “اللادينيين”.

الإسلام المتنور: صوت المعارضة الدينية

إزاء كل ذلك، قد يخلص البعض إلى أن الإسلام دين قمعي ميؤوس منه، وأن إيران ليست سوى نموذج كاشف لذلك. لكن الكاتب مصطفى أكيول يخالف هذا الرأي، مؤكدًا أن الإسلام، بسنيّه وشيعته، يضم أيضًا رؤى أكثر تنورًا، مع علماء يبلغون الدين دون أن يطمحوا إلى فرضه عبر دولة ثيوقراطية. ومن هؤلاء، الراحل آية الله العظمى حسين البروجردي (توفي عام 1961)، الذي كان أستاذًا لآية الله الخميني الشاب، قائد الثورة الإيرانية لاحقًا. فقبل عقود من الثورة، حذّر البروجردي تلميذه المتحمس من أن الديكتاتورية الدينية ستلحق الضرر بالدين نفسه. كما عارض لاحقًا آية الله العظمى حسين علي منتظري (توفي عام 2009) الديكتاتورية الدينية والإكراه، ودعا الإيرانيين إلى إحياء مبدأ قرآني طال إهماله: “لا إكراه في الدين”.

مستقبل إيران ودرس الثيوقراطية

هل ستنتهي هذه التجربة الإيرانية المأساوية مع “الإكراه في الدين”؟ عاجلًا أم آجلًا، يرى الكاتب أن الإجابة هي نعم. ولن يحدث ذلك، في تقديره، بسبب تدخل أجنبي، بل لأن عددًا متزايدًا من الناس يرفض الإيمان بالأيديولوجيا الرسمية، ولأن فساد النظام وعجزه سيمهّدان الطريق لانهياره النهائي، تمامًا كما حدث مع الاتحاد السوفيتي الراحل. عاجلًا أم آجلًا، ستكون إيران حرة. وفي الأثناء، تكون الجمهورية الإسلامية قد لقّنت درسًا خالدًا لكل المؤمنين الدينيين، في كل التقاليد، ممن قد تُغريهم الرغبة في التبشير بإيمانهم عبر السلطة. فالسلطة تُفسد، وإذا اقترنت بالدين، أفسدت الدين أيضًا. لا يمكن فرض الإيمان بقوة الدولة وقوانينها وفرقها. الإيمان لا يزدهر إلا بكسب القلوب والعقول، ولأجل ذلك، لا يحتاج إلى ثيوقراطية ولا إلى طغيان ديني، إنما يحتاج فقط إلى الحرية.

بقلم: مصطفى أكيول، كاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وزميل أول في معهد كاتو – المركز العالمي للحرية والازدهار.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *