مصر وتركيا: جهود مشتركة لإيجاد أرضية توافق في أزمات المنطقة
في خطوة تعكس تطوراً لافتاً في العلاقات الثنائية، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره التركي رجب طيب أردوغان في القاهرة، في زيارة تعد الثالثة منذ استئناف العلاقات بين البلدين بعد قطيعة دامت نحو 12 عاماً. تأتي هذه الزيارة في توقيت إقليمي دقيق، حيث تسعى كل من القاهرة وأنقرة إلى تعزيز التنسيق بشأن ملفات إقليمية حيوية.
خلال مؤتمر صحفي مشترك، أكد الرئيس السيسي سعي بلاده لترسيخ السلام في المنطقة، مشدداً على أن الأمن والاستقرار يمثلان مسؤولية جماعية. من جانبه، أعلن الرئيس أردوغان عن التزام تركيا بالعمل مع مصر على مبادرات تهدف إلى تحقيق السلام وإعادة الإعمار في قطاع غزة.
التقارب في ظل التحديات الإقليمية: إيران نموذجاً
يرى محللون أن زيارة أردوغان تتزامن مع توقيت بالغ الأهمية، حيث تتقاطع مصالح البلدين في عدد من القضايا المحورية، لا سيما في ظل التهديدات المتصاعدة بشن عمل عسكري أمريكي ضد إيران. وفي هذا الصدد، يشير كرم سعيد، رئيس مجلس الديمقراطية والمحلل السياسي المصري، إلى أن التنسيق المصري التركي حول قضايا المنطقة، بما في ذلك التوترات في قطاع غزة والأوضاع في ليبيا واليمن وسوريا والسودان، والتصعيد الأمريكي ضد إيران، يعكس رغبة مشتركة في التهدئة.
ويوضح سعيد أن هذا التصعيد قد يؤثر على المصالح الاستراتيجية للبلدين، فتركيا ترتبط بعلاقات طاقة مع إيران، وأي مواجهة عسكرية محتملة بين واشنطن وطهران قد تنعكس سلباً على ممرات الملاحة البحرية في الإقليم، بما فيها قناة السويس. وتؤكد تركيا رفضها القاطع لأي عمل عسكري ضد إيران، التي تتشارك معها حدوداً تمتد لأكثر من 500 كيلومتر، خشية اندلاع أزمة لاجئين وتوترات إقليمية واسعة.
جهود مشتركة لدعم غزة
تأتي زيارة أردوغان أيضاً في سياق الجهود الدولية الرامية إلى بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والذي تم برعاية مصرية-أمريكية-قطرية-تركية. وقد شارك الرئيس أردوغان في مراسم إعلان الاتفاق بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي.
وفي هذا السياق، يؤكد يوسف كاتب أوغلو، عضو حزب العدالة والتنمية التركي، أن هدف تركيا في هذه المرحلة يتمثل في تنسيق وجود قوات حفظ السلام والمشاركة في إعادة الإعمار، بالإضافة إلى الضغط على إسرائيل للالتزام بالاتفاق. ويضيف الباحث المصري بشير عبد الفتاح من مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أن تطابق المواقف المصرية التركية بشأن غزة وإيران من شأنه أن يعزز الضغوط على الولايات المتحدة لدفع عملية السلام في غزة والتراجع عن فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران.
وكان المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف قد أعلن في يناير الماضي عن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، والتي تتضمن إعادة إعمار القطاع ونزع السلاح بالكامل من حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. وتسعى تركيا للمشاركة في القوة الدولية المزمع إدخالها إلى غزة، إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفض وجود جنود أتراك أو قطريين داخل القطاع.
وترى دول عدة، بما فيها مصر وتركيا، أن ما تصفه بـ”الانتهاكات المتكررة” من الجانب الإسرائيلي لوقف إطلاق النار يعرقل جهود المضي قدماً في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة “ترامب للسلام”. وقد شهد القطاع خلال الشهر الماضي ضربات إسرائيلية جوية وبرية أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الفلسطينيين، حيث بلغ عدد القتلى 529 فلسطينياً وأكثر من 1460 مصاباً منذ التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، وفقاً للجيش الإسرائيلي الذي يؤكد أن ضرباته “دقيقة” وتأتي رداً على إطلاق النار على قواته.
تفاهمات حول الملف الليبي
من بين الملفات الإقليمية التي شهدت تحولاً في المواقف بين مصر وتركيا هو الملف الليبي، الذي طالما كان مصدر خلاف حاد بين البلدين. يشير المحلل السياسي كرم سعيد إلى وجود توافق مصري تركي حول تسوية الأزمة الليبية، يظهر جلياً بعد الانفتاح التركي على شرق ليبيا، والانفتاح المصري على غربها. ويضيف سعيد أن “هناك أرضية مشتركة واسعة بين البلدين لتسوية أغلب القضايا العالقة”.
ويؤكد يوسف كاتب أوغلو أن مصر وتركيا قد انتقلتا إلى مرحلة جديدة من التنسيق الأمني والاستراتيجي لمعالجة الملفات الساخنة إقليمياً، بما في ذلك ليبيا والسودان وسوريا والصومال.
آفاق التعاون الاقتصادي والعسكري
بالإضافة إلى التفاهمات السياسية، شهدت العلاقات بين البلدين نمواً ملحوظاً في الجانب الاقتصادي. وقد أعلن الرئيسان خلال اجتماعاتهما أن التبادل الاقتصادي والتجاري كان جزءاً أساسياً من مباحثاتهما في القاهرة.
وخلال المؤتمر الصحفي، صرح الرئيس السيسي بأن بلاده تسعى إلى رفع حجم التبادل التجاري مع تركيا إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028، معتبراً زيارة أردوغان فرصة ثمينة لتعزيز المشاورات. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا 6.8 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بـ 6.6 مليار دولار خلال عام 2024، وفقاً لبيان الجهاز المركزي للإحصاء.
كما تعزز التعاون العسكري بين البلدين، حيث أُعلن في أغسطس من العام الماضي عن تصنيع مشترك لإنتاج طائرات مُسيّرة ذات إقلاع وهبوط عمودي ومركبات. وسبق أن زودت تركيا مصر بالمسيرة التركية “بيرقدار تي بي 2” في صفقة أُعلن عنها في فبراير 2024، بالتزامن مع الزيارة الأولى للرئيس التركي إلى مصر بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية.
مسار التطبيع بعد سنوات القطيعة
يُذكر أن البلدين قد رفعا مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما في عام 2023، بعد نحو 12 عاماً من القطيعة التي بدأت إثر تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم وإزاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي. وقد وصفت تركيا حينها ما حدث بـ”الانقلاب”، وهو وصف رفضته القاهرة بشدة.
وخلال سنوات القطيعة، اختلفت وجهات نظر البلدين حول عدة قضايا، أبرزها الوضع في ليبيا وموقف تركيا من جماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها القاهرة كجماعة إرهابية واستضافت تركيا الآلاف من أعضائها. بدأت جهود التطبيع بين تركيا ومصر في عام 2020، وتكللت بتعيين سفراء متبادلين في عام 2023. وقد التقى الرئيسان أردوغان والسيسي لأول مرة في 20 نوفمبر 2022، على هامش افتتاح كأس العالم في قطر، واتفقا على مواصلة عملية التقارب التي شهدت تبادل الزيارات خلال العامين الماضيين.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق