لم تكن كادوقلي، الواقعة في قلب ولاية جنوب كردفان، مجرد مدينة محاصرة، بل كانت عقدة جغرافية استراتيجية لا يمكن تجاوزها في حسابات الحرب السودانية. اليوم، وبعد عزلة قسرية امتدت لأكثر من عامين، تخرج المدينة من طوقها لتتحول من مجرد نقطة دفاع عن البقاء إلى ركيزة استراتيجية قد تدفع مسار العمليات العسكرية نحو الغرب.
سنوات الحصار: عزلة قاسية وتداعيات خطيرة
بدأت فصول الحصار بإغلاق كامل للطرق وقطع ممنهج للإمدادات، مما ألقى بظلاله الثقيلة على حياة المدنيين. في فبراير 2025، نجحت القوات المسلحة السودانية في فتح طريق كادوقلي–الدلنج، إلا أن هذا الإنجاز لم يدم طويلاً، حيث عاد الطوق ليشتد في ديسمبر من العام نفسه. حينها، أحكمت قوات الدعم السريع، بدعم من الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، سيطرتها على منطقة حيوية عُرفت محلياً بـ”مفتاح السيطرة”، مما مكنها من التحكم في حركة القوات والتأثير بشكل مباشر على مصير ولاية جنوب كردفان بأكملها.
تحذير أممي وحراك عسكري حاسم
في السادس من يناير 2026، أطلق برنامج الأغذية العالمي تحذيراً وصفه عاملون إنسانيون بـ”غير المسبوق”، مشيراً إلى عزل المدينة بالكامل وتسجيل حالات مجاعة حادة. لم يكن هذا التحذير ذا بعد إنساني فحسب، بل حمل في طياته رسالة سياسية وعسكرية واضحة: استمرار حصار كادوقلي يهدد بسقوط جنوب كردفان. هذا التقدير سرّع من وتيرة التحرك الميداني الواسع الذي انتهى بكسر الطوق عن المدينة.
رؤى ميدانية: ميزان القوى يتغير
تعليقاً على فك الحصار، يرى الصحفي السوداني فيصل سعد أن “القوات المسلحة السودانية والقوات المقاتلة معها امتلكت دعماً لوجستياً جيداً مكّنها من تحقيق اختراقات، خصوصاً في الدلنج وكادوقلي”. ويشير سعد إلى أن حصار المدينتين استمر لأكثر من 684 يوماً، أي ما يقارب ألف يوم منذ بدء الحرب. ويضيف أن هذا التقدم يضع الجيش أمام اختبار “النفس الطويل” لعزل كردفان عن دارفور، مؤكداً أن ميزان السيطرة في جنوب كردفان بات يميل لمصلحة الجيش مع تراجع ملحوظ لوجود الدعم السريع في مناطق نفوذه التقليدية.
الجغرافيا تحسم المعركة والأنظار تتجه نحو دارفور
من زاوية ميدانية، يرى الخبير العسكري، أمين إسماعيل مجذوب، أن طبيعة الأرض لعبت دوراً حاسماً في المعركة. ويوضح أن “العمليات العسكرية أخذت وضعاً ممتازاً اليوم بفك حصار كادوقلي. هذا الانتصار يمثل نهاية ميليشيا الدعم السريع في المنطقة؛ فقد تورطت في حرب وسط تضاريس جبلية وغابات استوائية يتمرس الجيش السوداني في القتال فيها”. ويشير مجذوب إلى أن “فك الحصار يعني أن بنك الأهداف تحول تماماً إلى جهة الشمال، والمعركة القادمة ستكون في تخوم دارفور”.
الأبعاد الاقتصادية: صراع على حقول النفط
لهذا التحول العسكري أبعاد اقتصادية هامة، وفقاً لمسؤول الإعلام في حكومة إقليم دارفور، عقاد ابن كوني، الذي يؤكد أن “فك الحصار نقطة تحول استراتيجية لأن كادوقلي تربط جنوب كردفان بغرب كردفان والخرطوم ودارفور. التحرك القادم له بعد اقتصادي حاسم يتمثل في السيطرة على حقول النفط: هجليج وبليلة وشارف، وهي الشريان الرئيسي للدولة”.
مع ذلك، يقدم فيصل سعد قراءة أكثر تعقيداً لمستقبل مناطق النفط، متحدثاً عن توازنات إقليمية تفرض ما يصفه بـ”الحياد الإجباري”. ويقول: “لا أتوقع أن تحتدم معارك في حقول النفط؛ لأن أي مواجهات ستقود إلى إدخال جنوب السودان باعتباره المستفيد الأكبر من أنبوب النفط. عندما وصلت قوات الدعم السريع إلى هجليج، اتفق الطرفان بوساطة جنوب السودان على وضع أشبه بمنطقة معزولة تسيطر عليها قوات جنوب السودان لتفادي الإضرار بالمنشآت”.
كادوقلي: بوصلة جديدة لمستقبل الحرب
بعد فك الحصار، أصبحت مدينة كادوقلي بوصلة تعيد توجيه الحرب نحو جبهات الغرب وحقول الطاقة. ومع انحسار نفوذ الدعم السريع وتآكل أوراقه الميدانية، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: هل يمثل فك حصار كادوقلي بداية مسار ينتهي بتفكيك وجود الدعم السريع في دارفور ويفتح العد التنازلي لنهاية أطول حروب السودان الحديثة؟
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق