ما بدا للوهلة الأولى كحبكة سينمائية معقدة، تحول سريعاً إلى قضية احتيال حقيقية هزت الرأي العام اللبناني وأثارت تساؤلات حول مدى انكشاف النخبة السياسية. ففي قلب هذه القضية، يقف شخص ادعى أنه “أمير سعودي نافذ”، متواصلاً هاتفياً مع شخصيات سياسية لبنانية بارزة، ومقدماً نفسه كناقل لمواقف سعودية رسمية تتعلق بتشكيل الحكومات، والاستحقاقات الرئاسية، والتعيينات الأمنية الحساسة.
الكشف عن شبكة الاحتيال
لم تبدأ القصة بالظهور عبر بيانات أمنية رسمية، بل تسربت تدريجياً من الصالونات السياسية المغلقة إلى وسائل الإعلام المحلية، لتنتقل من مستوى الهمس إلى مسار قضائي علني. ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، بدأت الأوساط السياسية تتداول معلومات عن “اتصالات غامضة” ترد إلى نواب ووزراء سابقين من رقم هاتف أجنبي، يتحدث صاحبه بلهجة سعودية واثقة، ويلمّح إلى امتلاكه نفوذاً واسعاً داخل دوائر القرار في الرياض.
مع تزايد الشهادات وتطابق تفاصيلها، خرجت القضية إلى العلن، لتتحول إلى مادة خصبة للتكهنات والسخرية حول “أمير لا يظهر ولا يلتقي أحداً، لكنه يحيط بكل شيء علماً”. وبعد أسابيع من التحقيقات المكثفة، أصدرت قاضية التحقيق الأولى في بيروت، رولا عثمان، في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، مذكرتي توقيف وجاهيتين بحق شخصين ضالعين في القضية: مصطفى الحسيان، المعروف بـ”أبو عمر”، والشيخ خلدون عريمط. ووجهت إليهما تهم “ابتزاز سياسيين، وانتحال صفة العمل داخل الديوان الملكي السعودي، والإساءة إلى علاقات لبنان بالمملكة العربية السعودية“.
وبحسب “الوكالة الوطنية للإعلام”، قررت القاضية عثمان الاستماع إلى عدد من السياسيين الذين وردت أسماؤهم في الملف بصفة شهود، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد حجم الشبكة المحتملة وتبيان الأدوار والمسؤوليات. ويُذكر أن مصطفى الحسيان كان موقوفاً في قضية منفصلة تتعلق بتهريب أشخاص عبر الحدود اللبنانية-السورية، قبل أن تكشف التحقيقات عن شبهات بارتكابه جرائم أخرى تتصل بانتحال الصفة، مما أدى إلى توسيع نطاق الملف.
المتهمون الرئيسيون
وفقاً للادعاء العام، يشمل الملف أربعة أشخاص: الشيخ خلدون عريمط، ومصطفى الحسيان الملقّب بـ”أبو عمر”، وهما موقوفان حالياً، إضافة إلى الشيخ خالد السبسبي، ومحمد عريمط نجل الشيخ خلدون عريمط، اللذين لا يزالان متواريين عن الأنظار حتى الآن.
لماذا كانت الخدعة قابلة للتصديق؟
تعود جذور هذه القضية، وفق التحقيقات، إلى عام 2018، وهي فترة شهدت تحولات مفصلية في طبيعة العلاقة بين المملكة العربية السعودية ولبنان. ففي تلك المرحلة، تراجع مستوى الانخراط السياسي السعودي المباشر في الشأن اللبناني، وانحسرت قنوات التواصل التقليدية مع السياسيين اللبنانيين، بالتزامن مع إعلان رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري اعتزاله العمل السياسي.
كان الحريري يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه الممثل الأبرز للطائفة السنية في لبنان، وأحد أبرز قنوات التواصل السياسية مع المملكة. ومع خروجه من المشهد، برز فراغ واضح في هذا المجال، انعكس ارتباكاً في فهم طبيعة الموقف السعودي من التطورات اللبنانية. يقوم النظام السياسي في لبنان على توازنات طائفية دقيقة، تلعب فيها العلاقات الإقليمية، وخاصة مع السعودية، دوراً مؤثراً في تشكيل الحكومات، والاستحقاقات الرئاسية، والتعيينات الكبرى. ومع غياب قنوات اتصال واضحة، باتت أي إشارات إلى “موقف سعودي غير معلن” تبدو، لبعض السياسيين، محتملة أو على الأقل غير مستبعدة.
في هذا السياق، ظهر اسم “أبو عمر” كشخصية قيل إنها تعمل في “الديوان الملكي السعودي”، وتمتلك نفوذاً يسمح لها بالتأثير في قرارات سياسية داخل لبنان، من دون أي حضور علني أو صفة دبلوماسية معروفة. وتشير التحقيقات إلى أن الرجل اعتمد حصراً على الاتصالات الهاتفية: يعرّف عن نفسه بصفة رفيعة، يلمّح إلى “رضى” أو “عدم رضى” سعودي، ويعرض نفسه وسيطاً قادراً على فتح قنوات مغلقة، مقابل أموال أو خدمات متبادلة. وحتى الآن، لم يصدر عن السعودية أو سفارتها في بيروت أي تعليق رسمي حول قضية “الأمير الوهمي”.
من حداد سيارات إلى شبكة خداع
كيف بدأت هذه الحكاية؟ وكيف ولدت شخصية “الأمير الوهمي”؟ تقول رواية الدفاع إن خيوط القضية تعود إلى سنوات مضت، حين تعرّف مصطفى الحسيان، وهو لبناني من منطقة عكار الشمالية يعمل في حدادة السيارات، إلى القاضي الشرعي الشيخ خلدون عريمط خلال افتتاح مسجد في إحدى مناطق شمال لبنان.
ويشرح يوسف زعيتر، محامي الحسيان، لبي بي سي عربي أن العلاقة بين الرجلين بدأت في إطار اجتماعي، بعيداً عن السياسة. فالحسيان، وفق قوله، طلب من عريمط مساعدة في تسجيل سيارة وتأمين حصص غذائية، فقام الأخير بتأمين 25 حصة وُزّعت 22 منها على أبناء المنطقة، فيما احتفظ الحسيان بالبقية. ومع الوقت، تطوّرت العلاقة بينهما.
وبحسب زعيتر، اقترح عريمط لاحقاً على الحسيان، الذي يتقن التحدث بلهجة بدوية، شراء رقم هاتف أجنبي، واستخدامه للاتصال بشخصيات لبنانية بصفة “رجل أعمال سعودي مهم” أو “شخصية نافذة”. ويضيف أن عريمط كان يتصل بالحسيان عندما يكون برفقة سياسيين، ويعرّف عنه بالقول: “ألقوا السلام على الأمير أبو عمر”، ليقوم الحسيان، خلال المكالمة، بتزكية عريمط والتأكيد على أنه يحظى بـ”ثقة المملكة العربية السعودية” و”محبتها”.
وتكرّر هذا الأسلوب مع أكثر من سياسي، وشمل نواباً ووزراء ورؤساء حكومات سابقين. ويقول زعيتر إن الأموال التي جُمعت في تلك المرحلة كان يتولى عريمط استلامها، لا الحسيان، مشيراً إلى أن هذه الاتصالات أسهمت في التأثير على مواقف أحد التكتلات النيابية في مسألة تسمية رئيس الحكومة.
لحظة الانكشاف
بدأت خيوط الخدعة تتفكك، بحسب رواية الدفاع، مع رجل أعمال كان يعتزم الترشح للانتخابات النيابية. وفي هذا الإطار، عرّفه أحد نواب عكار على المدعو “أبو عمر”، ليبدأ التواصل بين الطرفين بعلم الشيخ خلدون عريمط. ووفق الرواية نفسها، أبلغ عريمط رجلَ الأعمال أن “أبو عمر” يوصي بمصطفى الحسيان، باعتباره شخصية مؤثرة في المنطقة وتتمتع بقاعدة انتخابية.
في تلك المرحلة، لم يكن رجل الأعمال يعلم أن “أبو عمر” والحسيان هما الشخص نفسه، إذ كان التواصل يتم عبر رقمين مختلفين: رقم بريطاني يتحدث من خلاله “أبو عمر” بلهجة بدوية، ورقم لبناني يستخدمه الحسيان بلهجته اللبنانية. وبناءً على ذلك، بدأ رجل الأعمال بتقديم مساعدات مالية إلى الحسيان لتوزيعها على أبناء المنطقة، على أنها مقدمة من رجل الأعمال بهدف كسب التأييد الانتخابي.
لاحقاً، حاول النائب المذكور مقابلة “أبو عمر” خلال وجوده في السعودية، إلا أن الأخير تهرّب مدعياً أنه خارج المملكة، قبل أن يتوقف لاحقاً عن الرد على الاتصالات، ما دفع النائب إلى تحذير رجل الأعمال من الاستمرار في التعامل معه. ورغم التحذير، استمر التواصل، وكان قد جرى الاتفاق على مبلغ قدره 300 ألف دولار، على أن يقدّم كتبرّع لإحدى الجمعيات التي ترأسها زوجة عريمط.
وتقول رواية الدفاع إن نقطة التحول حصلت خلال اجتماع جمع رجل الأعمال بالحسيان، حين قرر الأول إجراء اتصال فيديو مع “أبو عمر” لإبلاغه بأن الحسيان حاضر وسيتسلم المبلغ. عندها، أخطأ الحسيان في استخدام الهاتف وسحب الجهاز المرتبط بالرقم البريطاني، ما كشف أنه هو نفسه صاحب شخصية “أبو عمر”. وبحسب المحامي يوسف زعيتر، أقدم رجل الأعمال بعد ذلك على اقتياد الحسيان إلى أحد السهول، حيث تعرّض للضرب وإطلاق نار باتجاهه، وانتُزعت منه اعترافات تحت الضرب والتهديد، قبل أن يتم تسليمه إلى مخابرات الجيش اللبناني.
ما دور الشيخ؟
تشير التحقيقات إلى وجود نحو 350 اتصالاً بين عريمط ومصطفى الحسيان منذ عام 2022. كما أفاد وزير سابق بأنه تلقى اتصالاً لتزكية اسم رئيس أحد الأحزاب لرئاسة الجمهورية، في حين نفى الحسيان التواصل معه، ما فتح الباب أمام فرضية وجود شخص آخر يستخدم اسم “أبو عمر”.
ويقول المحامي صخر الهاشم، وكيل الدفاع عن الشيخ خلدون عريمط، في اتصال مع بي بي سي عربي، إن موكله “أنكر جميع التهم المنسوبة إليه”، مؤكداً أن مواجهة قضائية جرت بين الموقوفين خلال جلسة عقدت لدى قاضية التحقيق الأولى في بيروت رولا عثمان. وأضاف الهاشم أن عريمط “موقوف بدعوى الحق العام”، وأنه “لا يوجد حتى الآن أي ادعاء شخصي من سياسيين ضده”، كما لم تتقدم السعودية أو سفارتها في بيروت بأي شكوى تتعلق بجرم تعكير العلاقات معها، مشدداً على “عدم وجود أدلة دامغة” تثبت تورط موكله في القضية حتى الآن.
لا تزال التحقيقات في مراحلها الأولى، وسط تأكيدات بأن المسار القضائي طويل، بانتظار استكمال الاستجوابات وتحديد المسؤوليات، من دون صدور أحكام نهائية حتى الآن.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق