جيفري إبستين
المجتمع

جيفري إبستين: مسار ملياردير وعلاقات نافذة في قلب فضيحة الاعتداءات الجنسية

حصة
حصة
Pinterest Hidden

جيفري إبستين: مسار ملياردير وعلاقات نافذة في قلب فضيحة الاعتداءات الجنسية

في تصريح لصحيفة نيويورك بوست عام 2011، قال جيفري إبستين: “لستُ مفترساً جنسياً، بل أنا مجرد مُدان في اعتداءات جنسية، مثل الفارق بين قاتلٍ وشخصٍ سرق كعكة خبز”. هذا التصريح يعكس جانباً من شخصية الملياردير الذي توفي في زنزانته بسجن في نيويورك بتاريخ 10 أغسطس/آب 2019، بينما كان ينتظر محاكمته بتهم الاتجار الجنسي، دون إمكانية الإفراج عنه بكفالة. جاءت وفاته بعد أكثر من عقد من إدانته بتهمة استدراج قاصر لممارسة الدعارة، والتي أُدرج على إثرها كمجرم جنسي.

التطورات القانونية وكشف الوثائق

وُجهت إلى إبستين تهمة إدارة “شبكة واسعة” تستغل فتيات قاصرات لأغراض جنسية، وقد دفع ببراءته من هذه التهم. في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وافق الكونغرس الأمريكي بغرفتيه بأغلبية ساحقة على قانون شفافية ملفات إبستين. وبعد فترة وجيزة، وقع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على القانون الذي ألزم وزارة العدل بنشر جميع ملفاتها المتعلقة بالتحقيقات الجنائية الخاصة بإبستين قبل 19 ديسمبر/كانون الأول 2023. وفي 30 يناير/كانون الثاني 2024، أفرجت وزارة العدل الأمريكية عن أكثر من ثلاثة ملايين وثيقة تتعلق بالقضية.

في أحد المقاطع المصورة التي تم الكشف عنها مؤخراً، يظهر إبستين وهو يقول: “لدي مرآة جيدة” في معرض الإجابة على سؤال عما إذا كان يعتقد أنه “الشيطان نفسه”. ويُظهر الفيديو الكامل، الذي يمتد لما يقرب من ساعتين، إبستين وهو يتلقى أسئلة من أحد المحاورين، دون أن تتضح هوية السائل أو متى ولماذا جرى تصوير هذا المقطع. صرح نائب المدعي العام، تود بلانش، بأن إصدار الوثائق في 30 يناير/كانون الثاني يُمثل “نهاية عملية شاملة لتحديد الوثائق ومراجعتها”. ومع ذلك، يرى ناشطون، بمن فيهم بعض الديمقراطيين المعارضين، أن الوزارة حجبت الكثير من الوثائق دون مبرر كافٍ.

كشفت المواد التي وضعتها السلطات الأمريكية حتى الآن في متناول الرأي العام جوانب من حياة رجل الأعمال الراحل ودائرته الرفيعة المستوى.

نشأته ومسيرته المهنية

وُلد جيفري إبستين ونشأ في نيويورك، وعمل معلماً للرياضيات والفيزياء في مدرسة دالتون الخاصة بالمدينة في منتصف سبعينيات القرن الماضي. ورغم دراسته للفيزياء والرياضيات في الجامعة، إلا أنه لم يتخرج. يُقال إن والد أحد طلابه كان معجباً به إلى درجة أنه وصله بشريكٍ كبيرٍ في بنك الاستثمار بير ستيرنز في وول ستريت. أصبح إبستين شريكاً في ذلك البنك خلال أربع سنوات فقط. وبحلول عام 1982، كان قد أسس شركته الخاصة تحت اسم “جي إبستين وشركاه”، والتي أدارت أصولاً بأكثر من مليار دولار وحققت نجاحاً كبيراً منذ البداية.

سرعان ما بدأ إبستين إنفاق أموال طائلة من ثروته على أشياء كثيرة، من بينها شراء قصر في فلوريدا ومزرعة في نيو مكسيكو وما يُوصف بأنه أكبر منزل خاص في نيويورك، إضافة إلى تكوين علاقات مع المشاهير والفنانين والسياسيين.

شبكة علاقاته الواسعة

علاقته بدونالد ترامب

في عام 2002، قال دونالد ترامب لمجلة نيويورك: “أعرف جيف منذ 15 سنة. إنه رجل رائع. وصحبته ممتعة للغاية. ويُقال حتى إنه يحب النساء الجميلات مثلي، وكثيرات منهن شابات صغيرات”. وأضاف ترامب: “لا شك في ذلك — جيفري يستمتع بحياته الاجتماعية”. لكن ترامب قال في وقتٍ لاحقٍ إن الخلاف وقع بينهما في أوائل العقد الأول من الألفية، أي قبل سنوات من اعتقال إبستين لأول مرة، ونفى الرئيس الأمريكي ارتكاب أي مخالفات تتعلق بإبستين. وقال البيت الأبيض إن ترامب طرد إبستين من ناديه “قبل عقود” لأنه كان يتصرف بشكل مزعج تجاه الموظفات. كما صرح ترامب نفسه بأن إبستين “سرق” شابات كنّ يعملن في منتجع مارالاغو الخاص به، مضيفاً أنه “بمجرد أن فعل ذلك، انتهى أمره”.

شخصيات بارزة أخرى

إلى جانب ترامب، عُرف عن إبستين صداقاته مع عدد من الشخصيات البارزة، وهو ما لا يُشير بالضرورة إلى ارتكابهم أي مخالفات. في عام 2002، أقلّ على متن طائرة خاصة كلاً من الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، والممثلين كيفن سبيسي وكريس تاكر، في رحلة إلى أفريقيا. وفي عام 2003، حاول شراء مجلة نيويورك بالاشتراك مع منتج الأفلام آنذاك هارفي واينستين لكن محاولته أُخفقت، وهو العام نفسه الذي تبرع فيه بمبلغ 30 مليون دولار لجامعة هارفارد. ووافق بيل كلينتون وزوجته هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، على الإدلاء بشهادتهما في التحقيق البرلماني المتعلق بإبستين.

كان جيفري إبستين أيضاً صديقاً للسياسي البريطاني بيتر ماندلسون، وهي صداقة قال ماندلسون إنه ندم عليها، إذ كلّفته منصبه كسفير للمملكة المتحدة لدى واشنطن في عام 2005. وفي وقتٍ لاحقٍ، استقال ماندلسون من حزب العمال أيضاً. وبدأت الشرطة البريطانية تحقيقاً في سوء سلوك نُسب إلى ماندلسون أثناء توليه منصباً عاماً بعد توجيه اتهامات إليه باطلاع إبستين على معلومات حساسة عندما كان الأول وزيراً للتجارة في المملكة المتحدة عام 2009. وبحسب وثائق من ملفات إبستين، أخطر ماندلسون إبستين مسبقاً بشأن خطة إنقاذ أوروبية بقيمة 500 مليار يورو لإنقاذ العملة الأوروبية الموحدة.

حياته الشخصية والغموض

ورغم صداقاته مع شخصيات بارزة، حرص إبستين على الحفاظ على خصوصيته، ويُقال إنه كان يتجنب المناسبات الاجتماعية وحفلات العشاء في المطاعم. واعد نساءً مثل إيفا أندرسون دوبين، ملكة جمال السويد، وغيلين ماكسويل، ابنة الناشر روبرت ماكسويل، رغم أنه لم يتزوج قط. وقالت روزا مونكتون، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة “تيفاني آند كو”، لمجلة “فانيتي فير” في مقال نُشر عام 2003 إن إبستين كان “غامضاً للغاية” و”أشبه بجبل جليد كلاسيكي”. وأضافت: “تظن أنك تعرفه، ثم تكشف طبقة أخرى من قشرته لتجد شيئاً آخر استثنائياً تحتها. ما تراه ليس هو الحقيقة”.

الإدانة وصفقة الإقرار بالذنب

أبلغ والدا فتاة تبلغ من العمر 14 سنة، الشرطة في فلوريدا أن إبستين تحرش بابنتهما في منزله ببالم بيتش. وكشف تفتيش الشرطة للمنزل صوراً لفتيات منتشرة في أرجائه. وذكرت صحيفة ميامي هيرالد أن اعتداءاته على فتيات قاصرات تعود إلى سنوات طويلة. وقال رئيس شرطة بالم بيتش، مايكل رايتر، للصحيفة: “لم تكن هذه قضية من نوع ‘قال، وقالت’، بل كانت 50 فتاة تقريباً في مواجهة رجل واحد، وجميع الفتيات تقريباً روين القصة نفسها”. وقال الكاتب مايكل وولف لمجلة نيويورك في ملف تعريفي عام 2007، بينما كانت قضية إبستين تتنقل بين المحاكم: “لم يكن يوماً متكتماً بشأن الفتيات”. وأضاف: “ذات مرة، عندما بدأت مشكلاته، كان يتحدث إلي وقال: ‘ماذا عساي أن أقول؟ أنا أحب الفتيات الصغيرات ‘فقلت له: ربما عليك أن تقول: أنا أحب الشابات'”.

ومع ذلك، توصل الادعاء إلى صفقة مع مدير صندوق التحوط في عام 2008. وتم تجنب توجيه اتهامات فيدرالية لإبستين، التي كان من الممكن أن تضعه في السجن مدى الحياة، وبدلاً من ذلك، حُكم عليه بالسجن 18 شهراً. وخلال تلك الفترة، كان يُسمح له بالخروج للعمل في مكتبه لمدة 12 ساعة يومياً، ستة أيام في الأسبوع. وأُفرج عنه تحت المراقبة بعد 13 شهراً فقط.

ذكرت صحيفة ميامي هيرالد أن المحامي العام الفيدرالي، ألكسندر أكوستا، أبرم اتفاقاً قضائياً أخفى مدى جرائم إبستين، وأنهى تحقيقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي حول احتمال وجود مزيد من الضحايا أو شخصيات نافذة شاركت في الأمر. ووصفت الصحيفة الاتفاق بأنه “صفقة القرن”. استقال أكوستا في يوليو/تموز 2019، على خلفية تلك الفضيحة، رغم أنه دافع عن قراره باعتباره أدى في نهاية الأمر إلى قضاء إبستين فترة في السجن. ومنذ عام 2008، أُدرج اسم إبستين في سجل مرتكبي الجرائم الجنسية في نيويورك ضمن الفئة الثالثة، وهو تصنيف يستمر مدى الحياة ويعني أنه شديد الخطورة وأن هناك احتمال لتكرار الجريمة. ومع ذلك، احتفظ إبستين بممتلكاته وأصوله بعد إدانته.

جدل الأمير أندرو

في ديسمبر/كانون الأول 2010، التُقطت صورة لأندرو ماونتباتن ويندسور، الابن الثالث للملكة إليزابيث الثانية، والذي كان يُعرف حينها بالأمير أندرو، في سنترال بارك في نيويورك برفقة إبستين، مما أثار جدلاً واسع النطاق. وفي مقابلة مع بي بي سي في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قال أندرو، الذي تعرف على إبستين منذ عام 1999، إنه ذهب إلى نيويورك في 2010 لإنهاء صداقتهما. وأعرب عن ندمه لإقامته في منزل إبستين خلال تلك الزيارة، مؤكداً أن هذا السلوك كان “مخيباً للآمال”. وبحسب رسائل بريد إلكتروني أُرسلت في 2011 وظهرت بعد سنوات، استمر تواصل أندرو مع إبستين لفترة أطول مما اعترف به سابقاً. وفي خضم ذلك الجدل، تواصلت تداعيات هذه القضية لتلقي بظلالها على العديد من الشخصيات العامة والسياسية.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *