في خطوة محورية تعيد تشكيل مستقبل الرعاية الصحية النفسية، أعلنت الجمعية الأمريكية للطب النفسي، مؤخرًا، عن إعادة تصور شاملة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، الذي يُعد المرجع الأساسي للأطباء حول العالم في تشخيص الأمراض النفسية. هذا التحديث المرتقب لا يقتصر على تغيير الاسم فحسب، بل يمثل نقلة نوعية في المنهجية المتبعة، حيث سيتم إشراك أصوات جديدة وتبني مقاربة حديثة تُضيف مستويات أعمق لعملية التشخيص.
يهدف القائمون على هذا المشروع الطموح إلى تحويل ما يُطلق عليه البعض “إنجيل الطب النفسي” إلى دليل إرشادي أكثر شمولية وديناميكية وتثقيفًا، مما يُسهم في تمكين المرضى من الحصول على علاجات أكثر فعالية وتخصيصًا لاحتياجاتهم.
الدليل التشخيصي والإحصائي (DSM): ركيزة أساسية في الطب النفسي
تؤثر الاضطرابات النفسية بشكل عميق على أفكار وسلوكيات الأفراد، وقد تتسبب في ضيق مستمر أو تعيق قدرتهم على أداء وظائفهم اليومية. وتتعدد أسباب هذه الاضطرابات، فهي نتاج تفاعل معقد بين كيمياء الدماغ، العوامل الوراثية، تجارب الحياة، والبيئة المحيطة بالفرد.
على عكس الأمراض الجسدية التي غالبًا ما تُشخص عبر فحوصات مخبرية موضوعية، يفتقر تشخيص الاضطرابات النفسية إلى اختبارات بسيطة ومباشرة. من هنا، جاءت الحاجة إلى الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) لتصنيف هذه الاضطرابات، ووضع معايير تشخيصية واضحة، وتقديم أوصاف تفصيلية تساعد الاختصاصيين على الوصول إلى تشخيص دقيق بناءً على ملاحظاتهم لأعراض المريض.
تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من نصف سكان العالم قد يواجهون اضطرابًا نفسيًا في مرحلة ما من حياتهم. ويُعد التشخيص الدقيق أمرًا حيويًا، فهو يوجه الأطباء نحو خطة العلاج الأنسب، كما يلعب دورًا عمليًا في جوانب مثل الفوترة والتأمين الصحي. ولا يقتصر استخدام الدليل على الأطباء النفسيين فحسب، بل يمثل لغة مشتركة للمرضى، الباحثين، شركات التأمين، والمحامين، مما يسهل فهم وتحديد مشاكل الصحة النفسية المختلفة.
تضم النسخة الحالية من الدليل، DSM-5-TR، أكثر من 300 اضطراب نفسي، بما في ذلك الفصام، اضطراب الوسواس القهري، واضطراب استخدام الكحول. ورغم تحديث الجمعية الأمريكية للطب النفسي للدليل بانتظام لمواكبة أحدث التطورات العلمية، إلا أن آخر تحديث يعود لعام 2022. وعلى مر السنين، واجه الدليل انتقادات حادة، حيث اعتبره البعض غير علمي بما يكفي، بينما رآه آخرون غير محدد أو غير عملي.
ملامح التغيير في الدليل التشخيصي الجديد
لتحسين الدليل، اتجهت الجمعية الأمريكية للطب النفسي نحو مصدر إلهام غير متوقع: منتقدوها أنفسهم. وفي هذا السياق، صرحت الدكتورة ماريا أوكيندو، رئيسة اللجنة الاستراتيجية لمستقبل دليل DSM، مازحة بأن “المنتقدين صاخبون، لذلك يصعب جدًا تجاهلهم”، مؤكدة أن الجمعية تواصلت مع عدد منهم لفهم سبل تحسين الدليل، ومضيفة: “نحن لا نمتلك أفضل الأفكار جميعها، وإذا كانت موجودة في مكان ما، فنحن نريد أن نسمعها”.
تغيير الاسم والمقاربة
أحد أبرز التغييرات المعلنة هو اسم الدليل الجديد. فاعتبارًا من الآن، سيُشار إلى الاختصار DSM بـ “Diagnostic Science Manual of Mental Disorders”، أي الدليل العلمي التشخيصي للاضطرابات النفسية. يعكس هذا التغيير تحولًا في الفلسفة، فبينما كان التركيز في خمسينيات القرن الماضي على تتبع أعداد المصابين في المؤسسات العلاجية، أصبح الهدف اليوم، في عصر إنهاء الإيواء المؤسسي، يركز على الشمولية والديناميكية.
إشراك تجارب المرضى والعوامل الشاملة
تعتمد الجمعية في إعداد الدليل على مئات الخبراء من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التعريفات والعلاجات وإجراء التجارب الميدانية. ومن أكبر التغييرات القادمة دعوة أشخاص لديهم تجربة مباشرة مع تشخيص معين للانضمام إلى لجان الجمعية والمشاركة في صياغة الأوصاف التشخيصية، مما يضمن منظورًا أكثر واقعية وإنسانية.
كما ستشمل التغييرات الأخذ بالاعتبار جوانب أوسع من حياة الشخص عند وضع التشخيص. وأوضح الدكتور جوناثان ألبرت، نائب رئيس اللجنة الاستراتيجية لمستقبل DSM، أن التركيز التقليدي للدليل كان ينصب على الخصائص والأعراض الملحوظة، أي “على كيفية ظهور الأمور، عوض آلياتها الكامنة”. وأضاف أن الاضطرابات النفسية، كما تُفهم اليوم، تعكس “تفاعلًا معقدًا يشمل جميع سمات الحالة الإنسانية تقريبًا، من عوامل بيئية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية وإنمائية، إلى العوامل البيولوجية”.
لا تهدف المقاربة الجديدة إلى استبدال تشخيص معين، بل إلى إضافة طبقة أخرى للتشخيص تأخذ في الحسبان السياق والخبرة الحياتية. وأشارت الدكتورة ديانا كلارك، المديرة الأولى للأبحاث في الجمعية، إلى أن التعرض لسوء معاملة في الطفولة، على سبيل المثال، قد يكون له أثر عميق في المرض النفسي، مؤكدة أن العوامل المؤثرة في الاضطرابات النفسية “لا تحدث من فراغ”. هذا الإبراز لخلفية الشخص وتجربته سيساعد الطبيب على “النظر إلى الشخص ككل، وليس فقط إلى الأعراض”.
دمج العوامل البيولوجية والمرونة المستقبلية
تسعى الجمعية أيضًا إلى دمج العوامل البيولوجية بشكل أفضل في الدليل. وعلى الرغم من عدم وجود اختبار جيني محدد لاضطراب الوسواس القهري حتى الآن، فإن الهدف يتمثل بجعل الدليل مرنًا بما يكفي لاستيعاب التقنيات المستقبلية التي قد لا تكون موجودة بعد. وقال الدكتور ألبرت: “وصلنا في الطب النفسي إلى مرحلة لا نكتفي فيها بالسؤال إذا المؤشرات الحيوية يجب أن تكون جزءًا من DSM، بل كيف يمكن إدخالها بطريقة شفافة، ومفيدة أخلاقيًا وسريريًا”.
آفاق المستقبل والتحديات
لا يوجد جدول زمني محدد لإدخال هذه التغييرات الكبرى على دليل DSM، فغالبًا ما تستغرق التعديلات سنوات. ومع ذلك، أكدت الجمعية أنها بدأت بالفعل محادثات مع شركات التأمين بشأن هذا التحول. وعلق الدكتور دانيال مورهد، طبيب نفسي غير مشارك في المشروع، بأن تصنيف الاضطرابات النفسية ليس بالأمر السهل، مشيرًا إلى أن “أعقد جسم مادي نعرفه في الكون هو الدماغ البشري، لذلك لن نؤطره في بضع فئات صغيرة مرتبة”.
يأمل مورهد أن يصبح الدليل وثيقة أكثر ديناميكية تأخذ الشخص كاملًا بالاعتبار، وليس أعراضه فقط. وأعربت الدكتورة أوكيندو عن ثقتها بقدرة الجمعية على إنجاز المهمة، مشددة على ضرورة أن “نكون عمليين وصارمين علميًا ومتطلعين إلى الأمام. علينا أن ننجز الأمر بالشكل الصحيح، الأمر الذي قد يستغرق بعض الوقت، لكننا سنحاول إنجازه بأسرع ما يمكن لأن المجال بات مهيئًا لهذه الخطوة”.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق