صورة ترمز إلى العدالة أو الميزان أو قاعة محكمة
السياسة

المحاماة والدولة بالمغرب: صراع الاستقلال في ظل مشروع القانون 66.23

حصة
حصة
Pinterest Hidden

تتجلى هوية رسالة المحاماة في دورها المحوري لتحقيق العدالة، كونها المدخل الأساسي للتعرف على الحقوق والالتزامات والمسؤوليات وحمايتها. وبذلك، تمثل المحاماة قوة مضادة قادرة على كبح جماح الدولة متى انحرفت عن غاية العدالة التي استدعت وجودها. هنا، يتوجب علينا الوقوف عند العلاقة الجدلية بين الدولة والعدالة لإدراك طبيعة الصراع القائم بين الدولة ومهنة المحاماة.

لقد تصور هيغل الغاية من تكوين الدولة في تحقيق الحرية العقلانية القائمة على حماية الحقوق الأساسية وعناصر المجتمع. هذا التصور ذاته طرحه علال الفاسي بوضوح أكبر، مؤكداً أن أسباب قيام الدولة لا تكفي لفرض القانون إلا إذا كانت مبررة بالغاية المنشودة من بنائها، وهي ضمان العدالة وتعميم الحرية على جميع المواطنين. ورغم أن العدالة هي الغاية من تكوين الدولة، إلا أن هذه الأخيرة تسعى باستمرار إلى الاستحواذ واحتكار سلطة التنظيم والضبط، جاعلة كل ما عداها في خدمتها، ومقتصرة نظرها للقانون على كونه مجرد سبيل لتقوية أركانها فقط.

من هنا، تبرز رسالة المحاماة المقدسة التي تسعى إلى تحقيق العدالة عبر انتزاع مساحة من الاستقلال المطلق لحماية الأفراد وحقوقهم. فالمحاماة ليست مجرد مهنة بالمعنى السوسيولوجي التقليدي، أي مجرد احتكار لمعرفة قانونية تقنية، بل هي سياسة من نوع خاص؛ سياسة لا تهدف إلى الوصول إلى الحكم، بل تهدف إلى خلق مسافة بين الفرد والسلطة. هذا الاختلاف بين غاية الدولة وغاية مهنة المحاماة يعيد إلى الواجهة طبيعة الصراع الأزلي بينهما، بين إرادة الإخضاع (الدولة) وإرادة الاستقلال (المحاماة)، وهو الصراع الذي اتضحت معالمه في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.

إن المتتبع لهذا المشروع والتصريحات والردود التي رافقت خروجه سيقف على روايتين: رواية الدولة، ممثلة في وزارة العدل، التي ترى أن المحاماة مجرد مساعد للقضاء بمنطق التبعية؛ ورواية المحامين الذين يعتبرون أنفسهم حراس الحريات العامة، خارجين عن التسلسل الهرمي للدولة. وخلاصة الروايتين أن الصراع يتمحور حول استقلالية مهنة المحاماة وحدودها، وهو ما سنعمل على بيانه أدناه. بادئ ذي بدء، يثبت القول أنه لا يمكن الركون إلى وجود دفاع قوي دون وجود محام مستقل لا يخشى شيئاً في تمثيل أولئك الذين لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، دون مبالاة بالنتائج، حتى لو كان قدره أن يغرق في الفوضى من أجل حماية موكله. بيد أن وضع قواعد ترسم حدوداً للمحامي في أداء مهامه، بخلق وحدات للتحكم فيه، سيؤدي بشكل مباشر إلى حرمان المواطنين من الحماية التي تنشدها مهنة المحاماة، وبالتالي الخلوص إلى تفكك بناء العدالة.

محاور الصراع بين الدولة والمحاماة

1. مسعى بيروقراطية المهنة: تدجين الدفاع

تضمن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مقتضيات كثيرة ترمي إلى جعلها مهنة تابعة لمؤسسات وزارة العدل والسلطة القضائية. حيث تقضي المواد 1، 6، 7، 8، 11، 18، 23، 27، 35، 39، 43، 74 من المشروع بتدخل كل من وزارة العدل والسلطة القضائية في مهنة المحاماة، وجعلها ضمن ترتيب إداري تكون على رأسه وزارة العدل والسلطة القضائية حسب الحالة. فمثلاً، مقتضيات المادة 1 التي تقضي باعتبار المحامين جزءاً من أسرة القضاء، وعلاقتها بمقتضيات المادة 8 التي تتضمن قسم المحامي باحترام المؤسسات القضائية دون بيان طبيعة هذا الاحترام، لا يفهم منهما سوى وضع المحامي ضمن سلم إداري يرأسه رئيس المؤسسة القضائية التي يمارس فيها المحامي مهامه. كما تضمنت مقتضيات المواد 6، 7، 8 أحكاماً تقضي بسلطة وإشراف وزير العدل على المحامي المتمرن (محامي المستقبل) بما يتضمن تأديبه. ومقتضيات المواد 3 و18 تتضمن أحكاماً بإشراف وزارة العدل على شؤون مهنية من صميم عمل المؤسسات المهنية المنتخبة ديمقراطياً من طرف جميع المحامين في إطار التنظيم والاستقلال الذاتي. لسنا إذا أمام مجرد تعديلات على قانون مهنة المحاماة، بل أمام هجوم ممنهج بخطوات واضحة وموجهة ترمي إلى جعل مهنة المحاماة مجرد وظيفة ضمن سلم إداري محكم قائم على علاقة الرئيس بموظفيه، وترتيبها كمديرية من المديريات التابعة لوزارة العدل تارة، وإلى قسم تابع للسلطة القضائية تارة أخرى. وليس الغاية أن تكون المهنة مجرد وظيفة، بل ما تمنح تلك الوظيفة لرئيسها من امتيازات السلطة والتحكم. في حين أن وضع المحامي تحت رحمة الدولة على النحو المنصوص عليه في المواد أعلاه سيؤدي إلى تآكل التزامه المهني وحساسيته الأخلاقية، وسيكون مطالباً بخطبة ود من ترأسه على حساب مصالح العدالة وحقوق المواطنين.

2. تسليع العدالة: المحاماة من الشرف إلى السوق

تضمن مشروع المهنة مقتضيات تقضي بجعل مهنة المحاماة سلعة خدماتية من خلال تحويل المحاماة من رسالة نضالية إلى سلعة تخضع لمنطق المنافسة والسوق، وجعل المحامي من خادم للحقوق إلى خادم للمال والسلطة. فالعدالة في تصور هذا المشروع تحابي أولئك الذين يستطيعون تحمل ثمن شرائها، وذلك بجعل المتقاضي في بحث دائم عن جودة العدالة وفق معايير السوق وقواعد المنافسة التجارية، ليشتري لنفسه أجود وأفضل الخدمات القانونية، والكل بحسب قدرته الشرائية. ونرصد ذلك في مقتضيات المواد 12، 26، 34، 35، 36، 55 من المشروع المذكور، والتي تقضي بممارسة المهنة من طرف محامين من جنسيات أجنبية وشركات أجنبية والمغاربة الممارسين لمهنة المحاماة في دول أجنبية، وأحقية المشاركة بين محامين من هيئتين مختلفتين. هذه المقتضيات لم يكن الهدف منها إغناء مهنة المحاماة بتنوع مهني يساهم في الرفع من مستوى الممارسة المهنية، بل الهدف منها هو جعل مهنة الدفاع سلعة تقنية تخضع لمعايير الجودة والسوق وفق قواعد العرض والطلب، يكون فيها الموكل هو السيد والمحامي أجيراً. في حين أن علاقة المحامي بموكله هي علاقة سوسيولوجية معقدة قائمة على الاحتواء والتنوير والملاذ الصلب لحماية الحقوق والحريات، ولا يمكن أن تقبل هذا التجويف المنصوص عليه بالمواد أعلاه التي ترمي إلى إفراغ المهنة من محتواها الأخلاقي وتحويل طبيعتها من اقتصاد الشرف إلى اقتصاد السوق ومن تعظيم الشرف إلى تعظيم الربح.

3. تقويض الحصانة: هدم الجدار الأخير للمواطن

إن تنظيم مهنة المحاماة على شكل منغلق على ذاته لم يكن من باب الترف أو الاختيار الحر، بل هو نتاج لصيرورة صراع تاريخي مع الدولة الساعية دائماً إلى بسط سيطرتها وسلطتها على مهنة المحاماة، ورغبة هذه الأخيرة في تأسيس حصن يوفر لها استثناء سيادياً يمنح للمحامي الحق في قول ما لا يمكن لغيره قوله دون خوف من العقاب. ومن هنا ولدت قاعدة الحصانة التي تنبني على مكنة تحويل قوس المحكمة إلى فضاء حر معزول عن الرقابة الأمنية والتأديبية، وتسمح له بتحويل حقيقة العدالة إلى حقيقة قضائية. وبدون هذه الحصانة، يتحول المحامي إلى مجرد صدى صوت لقرارات السلطة، إدارية كانت أو قضائية، وبالنتيجة تفقد مهنة المحاماة قدرتها على أن تكون سلطة مضادة وصوتاً للمظلومية. غير أن الدولة، ومن خلال هذا المشروع، تريد هدم ذلك الجدار الأخير الذي يحمي المواطن، بإضعاف وإسكات كل محام يتجرأ على معارضة السلطة أو المؤسسات أو فضح الفساد، من خلال تحريم بعض الأقوال أو إجباره على التزام الصمت في مراحل معينة، في محاولة لإدخاله تحت مظلة الطاعة. حيث تضمن المشروع مقتضيات المواد 8، 50، 77، 78، 79، 98، 104 تقضي أحكامها بما يلي:

  • المادة 8: لا يقيد الطالب، الذي أنهى فترة التكوين بالمعهد، في لائحة التمرين إلا بعد أداء واجب الانخراط في الهيئة وأداء اليمين وفق الصيغة التالية: “أقسم بالله العظيم أن أمارس مهنة المحاماة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية، وأن أحترم المؤسسات القضائية وقواعد المهنة ومؤسساتها، وأن أسهم في حسن تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات، وأن أحافظ على السر المهني وأن لا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة أو يمس بأمن الدولة والسلم العمومي”. تؤدى اليمين أمام محكمة الاستئناف المختصة في جلسة تعقدها لهذا الغرض، يترأسها الهيئة أو من ينوب عنه لتقديم المترشحين…. كل إخلال بالالتزامات الواردة في اليمين المؤداة تعتبر إخلالاً بالواجبات المهنية.
  • المادة 50: يمنع على المحامين في كل الأحوال أن يتفقوا، فيما بينهم، على أن يتوقفوا كلياً عن تقديم المساعدة الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات. يمنع تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم وقت انعقاد الجلسات.
  • المادة 77: تحرر المحكمة محضراً مستقلاً بما قد يحدث من إخلال، وتحيله إلى النقيب والى الوكيل العام للملك المختصين لاتخاذ المتعين قانوناً. يجب على النقيب أن يتخذ قراراً في الموضوع داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يوماً، ويشعر بذلك الوكيل العام للملك المختص ويحيل الملف في حالة المتابعة إلى مجلس الهيئة، داخل أجل أقصاه خمسة عشر (15) يوماً من تاريخ اتخاذ القرار المذكور، للبت فيه. إذا لم يتخذ النقيب أي قرار داخل الأجل المحدد في الفقرة السابقة، أحال الوكيل العام للملك المختص القضية إلى غرفة المشورة للبت فيها.
  • المادة 78: يجب في حالة اعتقال محام أو وضعه تحت الحراسة النظرية من طرف ضابط الشرطة القضائية، إشعار نقيب هيئة المحامين الواقعة ضمن الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف حيث وقع الاعتقال وذلك بجميع الوسائل المتاحة. إذا كان الاعتقال لسبب مرتبط بممارسة المهنة، لا يتم الاستماع للمحامي المعني إلا من طرف النيابة العامة بحضور النقيب أو من ينتدبه لذلك. إذا تعذر إشعار النقيب لأي سبب من الأسباب ضمن ذلك وجوباً في محضر مع بيان شكليات الاتصال. إذا لم يحضر النقيب أو من انتدبه رغم الإشعار، أمكن الاستماع للمحامي المذكور دون حضور النقيب أو من انتدبه. لا يجرى أي بحث مع المحامي أو تفتيش لمكتبه.

في الختام، يبقى ضمان استقلالية مهنة المحاماة ركيزة أساسية لدولة الحق والقانون، وحماية لحقوق المواطنين وحرياتهم. إن أي مساس بهذه الاستقلالية يهدد جوهر العدالة ويقوض الثقة في المنظومة القضائية برمتها، مما يستدعي نقاشاً وطنياً معمقاً لضمان التوازن بين سلطة الدولة وحرية الدفاع.


للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.

المصدر: اضغط هنا

حصة

اترك التعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *