شهدت الساحة السياسية العراقية هذا الأسبوع تعثراً جديداً في مساعي تشكيل الحكومة، حيث بات مأزق التعطيل يتركز بوضوح حول الموقف الأمريكي. للمرة الثانية، أخفق البرلمان العراقي في عقد جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وتكليف رئيس للوزراء، وذلك في ظل تصاعد الانقسامات حول محاولة رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، العودة إلى المنصب، عقب فيتو صريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
خلافات الإطار التنسيقي تتفاقم
أفادت مصادر مطلعة من “الإطار التنسيقي”، وهو التحالف الذي يضم أبرز القوى الشيعية التي تشكلت بعد انتخابات 2021 المثيرة للجدل، لقناة “الحرة” بأن فشل الجلسة البرلمانية الأخيرة لم يكن ناجماً عن صراع كردي داخلي كما حدث في الجلسة السابقة، بل عن خلاف عميق حول ترشيح المالكي. وكانت الجلسة السابقة قد انهارت بسبب التنافس على رئاسة الجمهورية بين الأحزاب الكردية.
وفي السياق ذاته، صرح نائب عراقي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) بأن المعارضة الأمريكية لعودة المالكي قد عمّقت الشروخ الداخلية ضمن “الإطار التنسيقي”، حيث كانت عدة فصائل قد أبدت تحفظاتها على ترشحه حتى قبل التدخل الأمريكي. وأضاف النائب أن “الرفض الأمريكي صبّ الزيت على نار الخلافات القائمة”.
توسع دائرة الرفض وتحديات التوافق
وفقاً للمصدر ذاته، توسعت دائرة المعارضة لترشيح المالكي لتشمل قوى سنية وكردية بارزة، سواء علناً أو خلف الأبواب المغلقة، مما زاد من تعقيد الجهود الرامية إلى تأمين التوافق السياسي الضروري للمضي قدماً في تشكيل الحكومة. وتجري حالياً محاولات لعقد جلسة برلمانية جديدة يوم الخميس، غير أن نجاحها يبقى مرهوناً بقدرة “الإطار التنسيقي” على حسم مسألة المالكي داخلياً. وأكد النائب أن “كل شيء يتوقف على تسوية أمر ترشحه من عدمه”.
المالكي يرفض التدخل الأمريكي
من جانبه، رفض نوري المالكي الموقف الأمريكي رفضاً قاطعاً، وندّد بما وصفه “تدخلاً أمريكياً سافراً” في الشأن الداخلي العراقي. جاءت تصريحاته هذه عقب تحذير الرئيس ترامب للقادة السياسيين العراقيين من أن إعادة المالكي إلى منصب رئيس الوزراء ستكون لها تداعيات سلبية على العلاقات بين بغداد وواشنطن.
معضلة الإطار التنسيقي
يعمل “الإطار التنسيقي”، الذي حصد أغلبية برلمانية في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر ويملك الحق الدستوري في تسمية رئيس الوزراء المقبل، على احتواء تداعيات هذه الأزمة. وكشف قيادي بارز داخل التحالف لـ”الحرة” أن المالكي وحلفاءه حاولوا فتح قنوات تواصل مع مسؤولين أمريكيين لاستجلاء إمكانية التفاوض بشأن فيتو ترامب. إلا أن الرد كان حاسماً، حيث أكد المصدر أن “الموقف الأمريكي منسجم بالكامل مع تحذير ترامب. المضي بترشيح المالكي ستكون له تبعات على العلاقات الثنائية”.
يضع هذا الموقف “الإطار التنسيقي” أمام خيارين كلاهما صعب: إما الاستمرار في ترشيح المالكي والمخاطرة بقطيعة مع واشنطن، أو التراجع وطرح مرشح بديل، وهي خطوة قد تكشف الانقسامات الداخلية وتُضعف نفوذ التحالف. وفي الوقت الراهن، لا تزال معظم فصائل الإطار تدعم المالكي، لكن المصدر حذر من أن المشهد السياسي قد يتغير حتى يوم الأربعاء، مشيراً إلى “مساعٍ جارية لإقناعه بالانسحاب”.
تغيير في المشهد الدبلوماسي الأمريكي
يتزامن هذا الغموض السياسي مع تغيير في مسار الانخراط الدبلوماسي الأمريكي مع بغداد. فقد أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين لقناة “كردستان 24” أن المبعوث الأمريكي توم باراك تولى ملف العراق بدلاً من مارك سافويا. ويعتقد مسؤولون عراقيون أن هذا التغيير مرتبط مباشرة بأزمة تشكيل الحكومة. وكانت وكالة “رويترز” قد أفادت سابقاً بأن سافويا، الذي عينه ترامب في تشرين الأول/أكتوبر، أُقيل من منصبه على خلفية ما وصفته مصادر بسوء إدارة، من بينها فشله في الحيلولة دون تجدد مسعى المالكي للعودة إلى رئاسة الوزراء.
خاتمة
في المحصلة، تظل العملية السياسية في العراق مجمدة، عالقة بين صراعات داخلية على السلطة وفيتو خارجي أعاد تشكيل موازين النفوذ في بغداد، مما يزيد من تعقيد المشهد ويطيل أمد الأزمة الحكومية.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق