لا تقتصر استعدادات تركيا لمواجهة أزمة محتملة مع إيران على الأبعاد العسكرية فحسب، بل تتخذ منحى جيوسياسياً عميقاً. فأنقرة تعمل اليوم على أساس افتراض يرى أن توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران بات أمراً واقعياً، مما دفعها إلى التحرك استباقياً قبل تصاعد الأحداث. ويعتقد المسؤولون الأتراك أن موجات اللجوء تبدأ قبل سقوط القنابل، وليس بعدها.
هاجس النزوح: درس التجربة السورية
في تصريح لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، أوضح سفير تركي متقاعد أن الخشية الكبرى لدى تركيا لا تتمثل في الحرب مع إيران بحد ذاتها، بل في النزوح الجماعي المحتمل. وأضاف: “بالنسبة لتركيا، لم يعد اللاجئون قضية إنسانية، بل تهديداً وجودياً”. وأكد أن تداعيات الأزمة السورية لا تزال تشكل حجر الزاوية في التفكير الاستراتيجي التركي حتى اليوم.
هذا الرأي يلقى تأييداً واسعاً في الأوساط التركية. فقد صرح عمر تاشبينار، الخبير في الشأن التركي بجامعة الدفاع الوطني الأمريكية، لهدى البوكَيلي من MBN، بأن أنقرة عازمة على عدم تكرار السيناريو السوري. وأردف قائلاً: “استوعبت تركيا ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ سوري خلال العقد الماضي، ما فرض عبئاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً. وهذا هو بالضبط السيناريو الذي تسعى تركيا لتجنبه إذا ما أدت زعزعة استقرار إيران إلى موجات نزوح واسعة النطاق”.
استراتيجية الاحتواء المسبق وتأمين الحدود
هذا القلق المتزايد يدفع أنقرة إلى تبني استراتيجية استباقية. ووفقاً لتاشبينار، تستعد تركيا لإقامة منطقة عازلة داخل الأراضي الإيرانية في حال وقوع انهيار أو تصعيد كبير. والهدف من ذلك ليس الانخراط في حرب تقليدية، بل ما يصفه المسؤولون الأتراك بـ”الاحتواء المسبق”، أي وقف حركة السكان من المصدر وإبقاء النازحين ضمن الجانب الإيراني من الحدود. وقد أبلغ مسؤولون أتراك البرلمان بضرورة منع أي اختراق جماعي جديد للحدود.
لقد انتقل التخطيط بالفعل إلى مستوى البنية التحتية. فالحدود التركية-الإيرانية، التي تمتد على طول 560 كيلومتراً، تحولت إلى منظومة دفاعية محصّنة تشمل مئات الكيلومترات من الجدران الخرسانية والخنادق الدفاعية، بالإضافة إلى أبراج مراقبة إلكترونية ومراقبة جوية مستمرة بواسطة الطائرات المسيّرة. والرسالة واضحة: لن يتكرر نهج الحدود المفتوحة الذي ساد خلال الأزمة السورية.
وتشير تقديرات متداولة في أنقرة إلى أن اندلاع نزاع شامل قد يدفع ما يصل إلى مليون إيراني باتجاه تركيا، وهو ما تعتبره السلطات التركية “خطاً أحمر”. وقال السفير المتقاعد: “الاقتصاد لا يستطيع تحمّل ذلك، والمجتمع لن يقبل به”.
تحدي الأقلية التركية الأذربيجانية
يزيد المشهد تعقيداً وجود أقلية تركية أذربيجانية كبيرة داخل إيران، تُقدّر نسبتها بما بين 20 و30 في المئة من السكان. وصرح مايكل غونتر، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، لشبكة MBN بأن عمق هذا الارتباط غالباً ما يُستهان به، مستشهداً بمثل تركي شائع يقول: “أمة واحدة ودولتان”. وإذا ما وصلت أعداد كبيرة من الإيرانيين ذوي الأصول التركية إلى الحدود، فإن القادة الأتراك سيواجهون ضغوطاً داخلية شديدة لاستقبالهم، ما يضع الأوامر العسكرية في مواجهة الاعتبارات العرقية والأخلاقية.
لهذا السبب، انتقلت تركيا من انتظار اندلاع الأزمة إلى إدارتها خارج حدودها. فبناء الجدران والتخطيط للمناطق العازلة لا يقتصران على إجراءات أمنية فحسب، بل يعكسان رؤية تركية تعتبر أن التحكم في حركة السكان بات عنصراً أساسياً للاستقرار الداخلي، حتى وإن كان ذلك على حساب السيادة الإيرانية أو الأعراف الدبلوماسية التقليدية.
محور إقليمي جديد لإدارة المخاطر
غير أن الاستجابة التركية لا تتوقف عند حدودها الجغرافية. فبالتوازي، تسعى أنقرة إلى ترسيخ موقعها ضمن اصطفاف إقليمي جديد يهدف إلى إدارة حالة عدم الاستقرار في حال ضعف إيران. وكشف سفير تركي سابق لـMBN أن تركيا تعمل بهدوء على بناء محور أمني يضم المملكة العربية السعودية ومصر وباكستان، يركّز على الاحتواء لا المواجهة. وأضاف: “الأمر لا يتعلق بالأيديولوجيا، بل بمنع انتشار الانهيار”.
ويقع في صلب هذا التوجه إطار دفاع جماعي آخذ في التشكل، يستند إلى اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل بين السعودية وباكستان، التي وُقّعت العام الماضي. ووفقاً للسفير السابق، فإن تركيا تجري محادثات متقدمة للانضمام إلى هذا الإطار، فيما تزداد مصر تقارباً معه عملياً، وإن لم تكن مندمجة فيه رسمياً. وقال: “المنطق بسيط: إذا تفككت المنطقة، فلا أحد يريد مواجهة العواقب بمفرده”.
وقد تكثّف التنسيق بين هذه الدول مع تزايد حدّة الأزمة الإيرانية. فقد وسّعت تركيا حوارها الأمني مع السعودية بشأن إيران وسوريا والعراق، وعملت عن كثب مع قطر وعُمان لعرقلة أي ضربة أمريكية عبر القنوات الدبلوماسية، كما عززت تنسيقها مع مصر في ملفات ليبيا والسودان ولبنان. وقال السفير السابق: “هناك قلق مشترك من أن تؤدي الحرب إلى زعزعة نظام إقليمي هش أصلاً”.
تباين الرؤى الإقليمية
يُلاحظ غياب الإمارات العربية المتحدة عن هذا الاصطفاف. إذ بات المسؤولون الأتراك ينظرون إلى أبو ظبي على أنها أكثر تسامحاً مع التصعيد. وقال السفير السابق: “الإمارات لديها عتبة أعلى لتحمّل المخاطر، في حين تعمل تركيا والسعودية ومصر انطلاقاً من افتراض معاكس، مفاده أن الفوضى هي العدو الحقيقي”.
ويعكس هذا التحول إعادة صياغة أوسع للاستراتيجية التركية. فبينما كانت التكتلات الإقليمية السابقة تُبنى على أساس التنافس الأيديولوجي، يقوم هذا الاصطفاف الجديد على إدارة المخاطر: الحفاظ على بنى الدول، وتجنّب انهيار الأنظمة، واحتواء التداعيات العابرة للحدود. ويشير مسؤولون أتراك بشكل متزايد إلى الانتقال المُتحكم به والذي جرى مؤخراً في سوريا كنموذج يُحتذى به، بدلاً من تجربتي العراق أو ليبيا.
أهداف تركيا الاستراتيجية
بالنسبة لأنقرة، يحقق هذا النهج عدة أهداف في آن واحد: تقليص العزلة في حال ضعف إيران، وتأمين دعم خليجي في ظل الضغوط الاقتصادية، وترسيخ موقع تركيا كوسيط محوري في ممرات إعادة الإعمار بعد الأزمة، الممتدة بين العراق وسوريا. وقال السفير السابق: “تركيا تريد أن تكون في الغرفة التي يُعاد فيها استقرار المنطقة، لا خارجها وهي تتعامل مع النتائج”.
خلاصة القول، إن سياسة تركيا تجاه إيران تتشكّل تحت وطأة صدمة أزمة اللاجئين السوريين. فأنقرة تراهن على أن الوساطة قد تمنع اندلاع الحرب، لكنها في حال فشل ذلك، تستعد لإغلاق حدودها، والتحرك خارجها، والاعتماد على تحالف إقليمي صُمّم للاحتواء.
بقلم: هدى البوكيلي
هدى البوكيلي صحفية استقصائية مغربية مقيمة في الولايات المتحدة، حائزة على عدة جوائز دولية. تحمل شهادة ماجستير في الصحافة والإعلام المؤسساتي من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، وإجازة في علوم الاقتصاد من جامعة القاضي عياض بمراكش.
للمزيد من الأخبار، زوروا موقعنا.
المصدر: اضغط هنا









اترك التعليق